وقال ابن زيد: " ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: في الدنيا، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: يعرفونه"٢.
وقال آخرون: هذا الَّذي رُزِقْنَا من قبل من ثمار الجنَّة، من قبل هذا، لشدة مشابهة بعضه بعضًا في الَّلون والطَّعم٣.
واحتجَّ أصحاب هذا القول بحُجَجٍ:
أحَدُها: أنَّ المشابهة التي٤ بين ثمار الجنَّة بعضها لبعض أعظمُ من المشابهة التي بينها وبين ثمار الدنيا، ولشدة المشابهة قالوا: هذا٥ هو.
الحجة الثانية: ما حكاه ابن جرير عنهم قال: "ومن عِلَّة قائلي هذا القول أنَّ ثمار الجنَّة كلمَّا نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله، كما حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مَهْدِي، حدثنا سفيان سمعتُ عمرو بن مُرَّة يحدِّث عن أبي عُبَيْدة، وذكر ثمر الجنَّة، قال: "كُلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى"٦.
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٦) رقم (٥١٤ و٥١٥). وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٦) رقم (٥١٦). وسنده صحيح.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١/ ٣٨٦).
(٤) في "ب": "الَّذي".
(٥) من "أ".
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٦) رقم (٥١٧). وسيأتي الكلام عليه وأنَّه من قول مسروق في ص (٣٨٨ - ٣٨٩).
الحجة الرابعة: أنَّ من المعلوم أنَّه ليس كل ما في الجنَّة من الثمار قد رزقوه في الدنيا، وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار٢ الدنيا ولا رأوها.
ورجحت طائفة منهم: ابن جرير وغيره القول الآخر، واحتجَّت بوجوه.
قال ابن جرير: "والَّذي يحقق صحة قول القائلين: إنَّ معنى ذلك ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾[البقرة: ٢٥] في الدنيا، أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه قال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾[البقرة: ٢٥] يقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾[البقرة: ٢٥] ولم يُخَصِّص أنَّ ذلك من قِيْلهم في بعضٍ دون بعض٣، فإنْ كان قد أخبر جلَّ ذكره عنهم أنَّ ذلك من قيلهم كلما رزقوا ثمرة، فلا شكَّ أنَّ ذلك من قيلهم في أوَّل رزقٍ رُزِقُوْهُ من ثمارها أُتُوا به بعد دخولهم الجنَّة، واستقرارهم فيها، الَّذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة، فإذ٤ كان لا شك أنَّ ذلك من قيلهم