الحجة الرابعة: أنَّ من المعلوم أنَّه ليس كل ما في الجنَّة من الثمار قد رزقوه في الدنيا، وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار٢ الدنيا ولا رأوها.
ورجحت طائفة منهم: ابن جرير وغيره القول الآخر، واحتجَّت بوجوه.
قال ابن جرير: "والَّذي يحقق صحة قول القائلين: إنَّ معنى ذلك ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾[البقرة: ٢٥] في الدنيا، أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه قال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾[البقرة: ٢٥] يقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾[البقرة: ٢٥] ولم يُخَصِّص أنَّ ذلك من قِيْلهم في بعضٍ دون بعض٣، فإنْ كان قد أخبر جلَّ ذكره عنهم أنَّ ذلك من قيلهم كلما رزقوا ثمرة، فلا شكَّ أنَّ ذلك من قيلهم في أوَّل رزقٍ رُزِقُوْهُ من ثمارها أُتُوا به بعد دخولهم الجنَّة، واستقرارهم فيها، الَّذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة، فإذ٤ كان لا شك أنَّ ذلك من قيلهم
(١) في "أ، جـ، هـ": "والمسبَّب".
(٢) في "ب": "أثمار".
(٣) قوله "دون بعض" سقط من "ج".
(٤) في "هـ": "فإذا".
في أوَّله، كما هو من قيلهم في أوسطه١، وما يتلوه؛ فمعلوم أنَّه محال أنْ يقولوا لأوَّل رزق رزقوه من ثمار الجنَّة: هذا الَّذي رزقنا من قبل هذا من ثمار الجنَّة، وكيف يجوز أنْ يقولوا لأوَّل رزق رزقوه٢ من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره منها: هذا٣ الَّذي رزقناه قبل٤، إلَّا أنْ ينسبهم ذو غَيَّةٍ وضلالٍ إلى قيل الكذب، الَّذي قد طهَّرهم اللَّهُ منه، أو يدفعَ دافعٌ أنْ يكون ذلك من قِيْلهم لأوَّل رزقٍ يرزقونه من ثمارها، فيدفع صحة ما أوجب اللَّهُ صحته من غير نصب دلالةٍ على أنَّ ذلك في حال من أحوالهم دون حال، فقد تبين أنَّ معنى الآية: كلما رزقوا٥ من ثمرة من ثمار الجنَّة في الجنَّة رزقًا، قالوا: هذا الَّذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا"٦.
قلتُ: أصحاب القول الأول يخصُّون هذا العام بما عدا الرزق الأوَّل، لدلالة العقل والسياق عليه، وليس هذا ببدع من طريقة القرآن، وأنت مضطر إلى تخصيصه ولا بد بأنواع من التخصيصات:
أحدها: أنَّ كثيرًا من ثمار الجنَّة وهي التي لا نظير لها في الدنيا، لا
(١) من "ب": والطبري، وفي باقي النسخ "وسطه".
(٢) سقط من "ب، ج".
(٣) في "ج، د، هـ": "هذا هو".
(٤) في الطبري "من قبل".
(٥) في "ب": "رزقوا منها من ثمرة. . . "، وفي الطبري "كلما رزق الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار. . . ".