حادي الأرواح

في أوَّله، كما هو من قيلهم في أوسطه١، وما يتلوه؛ فمعلوم أنَّه محال أنْ يقولوا لأوَّل رزق رزقوه من ثمار الجنَّة: هذا الَّذي رزقنا من قبل هذا من ثمار الجنَّة، وكيف يجوز أنْ يقولوا لأوَّل رزق رزقوه٢ من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره منها: هذا٣ الَّذي رزقناه قبل٤، إلَّا أنْ ينسبهم ذو غَيَّةٍ وضلالٍ إلى قيل الكذب، الَّذي قد طهَّرهم اللَّهُ منه، أو يدفعَ دافعٌ أنْ يكون ذلك من قِيْلهم لأوَّل رزقٍ يرزقونه من ثمارها، فيدفع صحة ما أوجب اللَّهُ صحته من غير نصب دلالةٍ على أنَّ ذلك في حال من أحوالهم دون حال، فقد تبين أنَّ معنى الآية: كلما رزقوا٥ من ثمرة من ثمار الجنَّة في الجنَّة رزقًا، قالوا: هذا الَّذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا"٦.

قلتُ: أصحاب القول الأول يخصُّون هذا العام بما عدا الرزق الأوَّل، لدلالة العقل والسياق عليه، وليس هذا ببدع من طريقة القرآن، وأنت مضطر إلى تخصيصه ولا بد بأنواع من التخصيصات:

أحدها: أنَّ كثيرًا من ثمار الجنَّة وهي التي لا نظير لها في الدنيا، لا

  1. (١) من "ب": والطبري، وفي باقي النسخ "وسطه".
  2. (٢) سقط من "ب، ج".
  3. (٣) في "ج، د، هـ": "هذا هو".
  4. (٤) في الطبري "من قبل".
  5. (٥) في "ب": "رزقوا منها من ثمرة. . . "، وفي الطبري "كلما رزق الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار. . . ".
  6. (٦) انظر: تفسير الطبري (١/ ٣٨٦ - ٣٨٨).
361

يُقال فيها ذلك.

الثاني: أنَّ كثيرًا من أهلها لم يُرْزَقُوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير في الجنَّة.

الثالث: أنَّهُ من المعلوم أنَّهم لا يستمرون على هذا القول أَبَدَ الآباد، كلَّما أكلوا ثمرةً واحدة قالوا: هذا الَّذي رزقناه في الدنيا، ويستمرون على هذا الكلام دائمًا إلى غير نهاية، والقرآن العزيز لم يقصد إلى هذا المعنى، ولا هو ممَّا يُعْتنى به من نعيمهم ولذتهم، وإنَّما هو كلام مبين خارجٌ على١ المعتاد المفهوم من المخاطب.

ومعناه: إنَّه يشبه٢ بعضه بعضًا، ليس أوَّله خَيْرًا من آخره، ولا هو ممَّا يَعْرض له ما يَعْرض لثمر الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها من نقصان حملها، وصغر ثمرها وغير ذلك، بل أوَّله مثلُ آخره، وآخره مثل أوَّله، وهو خيار كله يشبه بعضه بعضًا، فهذا وجه قولهم. ولا يلزم مخالفه ما نصَّه اللَّهُ ﷾، ولا نِسْبَة أهل الجنَّة إلى الكذب بوجهٍ، والَّذي يلزمهم من التَّخصيص يلزمك نظيره وأكثر منه، واللَّهُ أعلم.

وأمَّا قوله ﷿: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥].

  1. (١) وقع في "أ، ب" "عن".
  2. (٢) في نسخةٍ على حاشية "أ": "أنَّ شَبَهَ".
362

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي