حادي الأرواح

فصل

وأمَّا العيون: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ١٥﴾ [الذاريات: ١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ٦﴾ [الإنسان: ٥ - ٦].

قال بعض السلف: "معهم قضبان الذهب، حيثما مالوا مالت معهم"١.

وقد اختلف في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان: ٦]:

- فقال الكوفيون: الباء بمعنى مِنْ. أي يشرب منها٢.

- وقال آخرون: بل الفعل مُضَمَّن٣. ومعنى يشرب بها: أي يروى بها، فلمَّا ضمَّنه معناه عدَّاه تعديته، وهذا أصح وألطف وأبلغ.

- وقالت طائفة: الباء للظَّرفية، والعين اسم للمكان٤، كما تقول: كنا بمكان كذا وكذا.

ونظير هذا التَّضمين قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ضُمِّنَ معنى يَهُمُّ٥ فَعُدِّيَ تَعْدِيته.

  1. = علي بن عبد اللَّه بن عباس.
    انظر: تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٢٤).
  2. (١) انظر: تفسير الطبري (٢٩/ ٢٠٨)، والدر المنثور (٦/ ٤٨٣).
  3. (٢) في "هـ": "أي: من شرب منها".
  4. (٣) من "أ"، وفي باقي النسخ "مُضْمَر"، والمثبت هو الصواب.
  5. (٤) في "ب، ج": "مكان"، وفي "هـ": "المكان".
  6. (٥) من "أ"، وفي باقي النسخ "بهم" وهو خطأ.
391

وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا ١٧ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ١٨﴾ [الإنسان: ١٧، ١٨]، فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صِرْفًا؛ أنَّ شراب الأبرار يمزج منها؛ لأنَّ أولئك أخلصوا الأَعمال كلها للَّه، فأخلص شرابهم، وهؤلاء مزجوا، فمزج شرابهم.

ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ٢٥ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨].

فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين؟ بالكافور في أوَّل السُّورة، والزنجبيل في آخرها، فإنَّ في الكافور من البرد وطيب الرَّائحة، وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرَّائحة، وما يحدث لهم باجتماع الشَّرابين -ومجيء أحدهما على إثر الآخر- حالةً أخرى أكمل وأطيب وألذ من كلٍّ منهما بانفراده، وتعتدل١ كيفية كل منهما بكيفية الآخر، وما ألطف موقع ذكر الكافور في أوَّل السورة، والزنجبيل [١٠٨/ ب] في آخرها، فإنَّ شرابهم مُزِج أوَّلًا بالكافور، وفيه من البرد ما يجيء الزنجبيل بعده فيعدله.

والظَّاهرُ أنَّ الكأس الثانية٢ غير الأولى، وأنَّهما نوعان لذيذان من الشراب، أحدهما: مُزِجَ بكافور، والثاني: مُزِجَ بزنجبيل.

  1. (١) في "ب، د": "يعدل".
  2. (٢) في "ب، د": "الثاني".
392

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي