ولعل أخراج جوهَرَي الذهب والفضة في١ عروق الحجارة من الجبال وغيرها = أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر. ولعل إخراج الحرير من لعاب دُوْدِ القَزِّ، وبنائها على أنفسها القباب البِيْض والحُمر والصفر أحكم بناء = أعجب من إخراجه من أكمام تتفتَّق عنه شجر هناك، قد أودع فيها، وأنشئ منها.
ولعلَّ جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب = أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود.
وبالجملة، فتأمل آيات اللَّه التي دعا عباده إلى التفكُّر فيها، وجعلها آياتٍ دالةً على كمال قدرته، وعِلَّةً في مشيئته٢ وحكمته وملكه، وعلى توحُّده بالربوبية والإلهية، ثم وازن بينها وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار = تجد هذه أدلَّ شيءٍ على تلك، شاهدة لها، وتجدهما من مشكاةٍ واحدة، وربٍّ واحد، وخالقٍ واحد٣، وملكٍ واحد، فبُعدًا لقومٍ لا يؤمنون.
(١) في "هـ": "من".
(٢) في "ب، د": "وعلمه ومشيئته"، وفي "هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ": "وعلمه في مشيئته".
(٣) قوله "وخالق واحد" من "ب، ج، د، هـ".
الباب التاسع والأربعون في ذكر آنيتهم التي يأكلون فيها ويشربون، وأجناسها وصفاتها
قال اللَّهُ تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾[الزخرف: ٧١]، فالصحاف: جمعُ صَحْفَة، قال الكلبي: "بقصاعٍ من ذهبٍ". وقال الليث: "الصحفة: قطعةٌ مُسْلَنْطِحَة عريضة، الجمعُ: صِحَاف، قال الأعشى:
وأمَّا الأكواب فجمع كوبٍ، قال الفرَّاء: "الكوب: المستدير الرَّأس الَّذي لا أُذَنَ له، وأنشد لِعَدِي:
مُتكئًا تصفقُ أبوابُهيسعى عليه الغيد بالكوب٢
وقال أبو عبيدة: "الأكواب: الأباريق التي لا خراطيم لها"٣، قال أبو إسحاق: "واحدها كوبٌ، وهو إناء مستدير لا عُروة له"٤. وقال ابن عباس: "هي الأباريق التي ليست لها آذان"٥. وقال مقاتل: "هي
(١) انظر: تهذيب الَّلغة للأزهري (٢/ ١٩٨١)، وانظر البيت في ديوان الأعشى ص (١٦٧).
(٢) انظر معاني القرآن للفرَّاء (٣/ ٣٧).
(٣) انظر مجاز القرآن (٢/ ٢٠٦)، وفيه "الأبارق" بدل "الأباريق".