حادي الأرواح

وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ١٥ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ١٦﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦].

فالقوارير: هي الزجاج، فأخبر ﷾ عن مادة تلك الآنية أنَّها من الفضة، وأنَّها بصفاء الزجاج وشفافته، وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها، وقطع سبحانه توهُّم كون تلك القوارير من زجاج فقال: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، قال مجاهد وقتادة ومُقاتل والكلبي والشعبي: "قوارير الجنَّة من الفضة"١، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير.

قال ابن قتيبة: "كل ما في الجنَّة من الأنهار وسررها وفرشها وأكوابها مخالفٌ لما في الدنيا من صنعة العباد، كما قال ابن عباس: "ليس في الدنيا شيءٌ ممَّا في الجنَّة إلَّا الأسماء"٢، والأكواب في الدنيا، قد تكون من فضة، وتكون من قوارير، فأعلمنا اللَّهُ تعالى أنَّ هناك أكوابًا لها بياض الفضة، وصفاء القوارير، قال: وهذا على التشبيه، أراد قوارير كأنَّها من فضة، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ

  1. (١) انظر: تفسير الطبري (٢٩/ ٢١٥ - ٢١٧)، ومعالم التنزيل للبغوي (٨/ ٢٩٦)، وتفسير مقاتل (٣/ ٣١٢ - ٣١٣).
  2. (٢) أخرجه هناد في الزهد رقم (٣، ٨)، ووكيع في نسخته عن الأعمش رقم (١)، وابن أبي حاتم في تفسيره البقرة رقم (٢٦١)، والطبري (١/ ١٧٤)، ومسدد في مسنده كما في المطالب العالية (٤٦١٧)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٢٤) وغيرهم.
    من طرق عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: لا يشبه شيءٌ ممَّا في الجنَّة ما في الدنيا إلَّا الأسماء". هذا لفظ الأشجعي عن الثوري.
    وهو أثرٌ صحيح ثابت.
413

الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن: ٥٨]، أي لهنَّ ألوان المرجان في صفاء الياقوت"١.

وهذا مردودٌ عليه، فإنَّ الآية صريحةٌ أنَّها من فضة، و"من" ها هنا لبيان الجنس كما تقول: خاتم من فضة، ولا يراد بذلك أنه يشبه الفضة، بل جنسه ومادته الفضة، ولعله أشكل عليه كونها من فضة وهي قوارير، وهو الزجاج، وليس في ذلك إشكال لما ذكرناه.

وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ التقدير: جعل الشيء بقدر مخصوص، فقدرت الصُّناع هذه الآنية على قدر رِيِّهِم٢، لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وهذا أبلغ في لذة الشارب، فلو نقص عن رِيِّهِ لنقص التذاذه، ولو زاد حتى يُسْئر٣ منه حصل له ملالة وسآمة من الباقي.

هذا قول جماعة المفسرين٤.

قال الفراء: "قدروا الكأس على رِيِّ أحدهم، لا فضل فيه، ولا عجز عن رِيِّه، وهو الذُّ الشراب"٥.

  1. (١) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة الدينوري ص (٨٠ - ٨١).
  2. (٢) في "ج، هـ": "زِيِّهم" وهو خطأ.
  3. (٣) يسئر: أي يفْضل، قال الليث: يُقال أسأر فلان من طعامه وشرابه سُؤْرًا: وذلك إذا أبقى منه بقيَّة، قال: وبقية كل شيء سُؤْره، انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٢/ ١٥٩٢).
  4. (٤) في "هـ"، ونسخة على حاشية "أ": "من المفسرين".
  5. (٥) انظر: معاني القرآن له (٣/ ٢١٧).
414

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي