حادي الأرواح

وقد دلَّ النص والإجماع على أنَّ التوبة مانعةٌ من لحوق الوعيد، ويمنع من لحوقه أيضًا الحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعاء المسلمين، وشفاعة من أذن اللَّهُ له في الشفاعة فيه، وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه، فهذا الحديث نظير الحديث الآخر "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة"١.

وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ١٢﴾ [الإنسان: ١٢]، وقال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. وتأمَّل ما دلَّت عليه لفظة ﴿عَالِيَهُمْ﴾ من كون اللباس ظاهرًا بارزًا يُجَمِّل ظواهرهم، ليس بمنزلة الشعار الباطن، بل الَّذي يلبس فوق الثياب للزينة والجمال.

وقد اختلف القُرَّاء السبعة في نصب ﴿عَالِيَهُمْ﴾ ورفعه على قراءتين.

واختلف النحاة في وجه نَصْبِهِ، هل هو على الظرف، أو على الحال = على قولين.

واختلف المفسرون٢: هل ذلك للولدان الَّذين يطوفون عليهم، فيطوفون وعليهم ثياب السندس والإستبرق، أو السادات الذين يطوف عليهم الولدان، فيطوفون على ساداتهم، وعلى السادات هذه الثياب؟.

وليس الحال ها هُنا بالبيِّن، ولا تحته ذلك المعنى البديع الرَّائع،

  1. (١) تقدم ص (٣٧٨).
  2. (٢) انظر لذلك معاني القرآن للفراء (٣/ ٢١٨ - ٢١٩)، وتفسير الطبري (٢٩/ ٢٢٠).
421

فالصواب فيه: أنَّه منصوب على الظرف، فإنَّ "عاليًا" لمَّا كان بمعنى فوق أُجْريَ مجراهُ، قال أبو علي: وهذا الوجه أبين١، وهو أنَّ "عاليًا" صفة، فجُعِلَ ظرفًا كما كان قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] كذلك، وكما قالوا: هو ناحية من الدار.

وأمَّا من رفع ﴿عَالِيَهُمْ﴾ فعلى الابتداء، و﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾: خبره، ولا يمنع من هذا إفراد عالٍ، وجمع الثياب؛ فإنَّ فاعلًا قد يُراد به الكثرة، كما قال:

ألا إنَّ جيراني العَشيَّة رَائحٌدعتهم دواع مِن هوًى ومُنَادحُ٢

وقال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ٦٧﴾ [المؤمنون: ٦٧].

ومن رفع ﴿خُضْرًا﴾: أجراه صفة للثياب، وهو الأقيس من وجوه: أحدها: المطابقة بينهما في الجمع.

الثاني: موافقته لقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١].

الثالث: تخلصه من وصف٣ المفرد بالجمع.

ومَنْ جرَّ أجراه٤ صفةً للسندس على إرادة الجنس، كما يقال: أهلك النَّاس الدينار الصُّفْر، والدرهم٥ البيض.

  1. (١) في "أ": "بيِّن".
  2. (٢) نقله الفراء عن المفضَّل الضَّبِّي كما في رسالة "الصاهل والشاحج" لأبي العلاء المعري ص (٤٤٠).
  3. (٣) في "أ": "صفة".
  4. (٤) قوله "ومن جر: أجراه" في "أ" "ومن جرَّاه"، وفي "ج، هـ": "ومن جَرَى مجراه".
  5. (٥) في "ج، هـ": "الدراهم"، وتلك المقولة لم أقف عليها.
422

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي