وقد أخرجا في "الصحيحين"١ والسياق لمسلم: عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يدهُ حتى تبلغ إبطه، فقلتُ له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال يا بني فَرُّوخ أنتم ها هنا؟ لو علمتُ أنَّكم ها هنا ما توضأتُ هذا الوضوء، سمعتُ خليلي ﷺ يقول: "تبلغُ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
وقد احتجَّ بهذا من يرى استحباب غسل العَضُد وإطالته.
والصحيح أنَّه لا يستحب، وهو قول أهل المدينة، وعن أحمد روايتان٢.
والحديث لا يدلُّ على الإطالة٣، فإنَّ الحلية إنَّما تكون زِينًا في الساعد والمِعصم لا في العضد والكتف.
وأمَّا قوله: "فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرَّتهُ فليفعل"٤.
(١) أخرجه البخاري رقم (١٣٦)، من طريق: نعيم المجمر، ومسلم (٢٥٠).
(٢) انظر: الكافي فقه أهل المدينة لابن عبد البر ص (٢١ - ٢٢)، والمعونة للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٢٣). وشرح العمدة لابن تيمية (الطهارة) (٢١٤).
(٣) في نسخةٍ على حاشية "أ": "إطالته".
(٤) أخرجه البخاري رقم (١٣٦)، ومسلم في صحيحه (٢٤٦)، وأحمد (٢/ ٥٢٣) كما سيأتي. من طريق نُعَيم بن عبد اللَّه المُجْمِر عن أبي هريرة بلفظ "إنَّ أمتي يأتون يوم القيامة غُرًّا محجَّلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم. . . ".
فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النَّبي ﷺ بيَّن ذلك غير واحدٍ من الحفَّاظ١.
وفي "مسند الإمام أحمد" في هذا الحديث قال نُعَيْمٌ: فلا أدري قوله: "من استطاع منكم أنْ يطيل غرته فليفعل" من تمام كلام النَّبي ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة من عنده.
وكان شيخنا يقول: "هذه اللفظة لا يمكن أنْ تكون من كلام رسول اللَّه ﷺ، فإنَّ الغرة لا تكون في اليد، لا تكون إلَّا في الوجه، وإطالتها غير ممكنة، إذ تدخل في الرأس ولا يسمَّى ذلك غُرَّة".
وفي "صحيح مسلم"٢ عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: "من يدخل الجنَّة ينعمُ لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، في الجنَّة ما لا عينٌ رأت، وأُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
وقوله: "لا تبلى ثيابه": الظاهر أنَّ المراد به الثِّياب المُعَيَّنة لا يلحقها البِلَى، ويحتمل: أنْ يراد به الجنس، بل لا تزال عليه الثياب الجُدد، كما أنَّها لا ينقطع أكلها في جنسه، بل كلُّ مأكولٍ يخلفه مأكولٌ آخر، واللَّهُ أعلم.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا