عن عائشة ﵂: "أن نبي اللَّه ﷺ أتته عجوز من الأنصار فقالت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يدخلني الجنة، فقال نبي اللَّه ﷺ: "إن الجنة لا يدخلها عجوز" فذهب نبي اللَّه ﷺ فصلى ثم رجع إلى عائشة فقالت عائشة: لقد لَقِيَتْ من كلمتك مشقة وشِدَّة، فقال نبي اللَّه ﷺ: "إن ذاك كذاك، إن اللَّه تعالى إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكارًا"١.
وذكر مقاتل قولًا آخر -وهو اختيار الزجاج- أنهن الحور العين التي ذكرهن.
"قيل: أنشأهن اللَّه ﷿ لأوليائه لم يقع عليهن ولادة٢.
والظاهر أن المراد به أنشأهن اللَّه تعالى في الجنة إنشاء، ويدل عليه وجوه:
أحدها: أنه قد قال في حقِّ السَّابقين: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٥٤) رقم (٥٥٤٥)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة (٣٩١). - وقد خُولف مسعدة بن اليسع، خالفه عَبْدَة. فرواهُ عبدة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب، قال: قلتُ له: أكان رسول اللَّه ﷺ يمازح؟ قال: نعم، أتته عجوز من الأنصار فذكر مثله. أخرجه هنَّاد في الزهدِ رقم (٢٤). وهذا هو الصواب مرسل، وحديث مسعدة ضعيف جدًّا، ولعلَّ هذا المرسل مع مرسل الحسن يشدُّ بعضهما بعضًا.
(٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٣١٤)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (٥/ ١١٢).
فذكر سُرُرَهم وآنيتهم وشرابهم وفاكهتهم وطعامهم وأزواجهم من الحور العين، ثمَّ ذكر أصحاب الميمنة وطعامهم وشرابهم وفرشهم ونساءهم، فالظاهر: أنَّهنَّ مثلُ نساءِ مَنْ قبلهم خُلِقنَ في الجنَّة.
الثاني: أنَّه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ٣٥﴾[الواقعة: ٣٥].
وهذا ظاهرٌ أنَّه إنشاء أوَّل لا ثانٍ؛ لأنَّه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثاني يُقيِّده بذلك، كقوله: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ٤٧﴾[النجم: ٤٧]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾[الواقعة: ٦٢].
الثالث: أنَّ الخطاب بقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ٧﴾[الواقعة: ٧]، إلى آخره للذكور والإناث، والنشأة الثانية عامَّة أيضًا للنوعين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ٣٥﴾[الواقعة: ٣٥]، ظاهره اختصاصهنَّ بهذا الإنشاء، وتأمَّل تأكيده بالمصدر، والحديث لا يدلُّ على اختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف، بل يدلُّ على مشاركتهنَّ للحور العين في هذه الصفات المذكورة، فلا يتوهم انفراد الحور العين عنهنَّ ممَّا١ ذُكِرَ من الصفات، بل هُنَّ أحقُّ بها منهنَّ، فالإنشاءُ واقعٌ على الصِّنفين، واللَّهُ أعلمُ.
وقوله تعالى: ﴿عُرُبًا﴾ جمع عَرُوب: وهنَّ المتحبِّبات إلى