والحمد للَّه فاطرِ السموات والأرضِ، جاعل الملائكة رسلًا، وباعث الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للنَّاس على اللَّهِ حُجَّةٌ بعد الرسل، إذ لم يخلقهم عبثًا، ولم يتركهم سُدىً، ولم يغفلهم هملًا، بل خلقَهم لأمرٍ عظيمٍ، وهيَّأَهم لِخَطْبٍ جسيم، وعمَّر لهم دارين٢، فهذه لمن أجابَ الدَّاعي، ولم يبغِ سوى ربه الكريم بدلًا، وهذه لمن لم يُجب دعوته، ولم يرفع بها رأسًا، ولم يعلِّق بها أمَلًا.
والحمد للَّه الَّذي رضي من٣ عباده باليسير من العمل، وتجاوزَ لهم عن الكثير من الزَلل، وأفاضَ عليهم النعمة، وكتب٤ على نفسه الرحمة، وضمَّن٥ الكتاب الَّذي كتبه: أنَّ رحمته سبقت غضبه. دعا عباده إلى دار السلام، فعمَّهم بالدَّعوة حُجَّةً منه عليهم وعَدلًا، وخصَّ بالهداية والتوفيقِ من شاء نعمةً٦ منه وفضلًا، فهذا عدْلُه وحكمته، وهو العزيز الحكيم، وذلك فضلُه٧ يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
= في "هـ" بعد "رسوله" "ﷺ محمدٍ".
(١) في "هـ": "بقوله".
(٢) في "هـ": "دارين آخرتين".
(٣) في "أ": "عن"، وجاء في "هـ" "من عباده المؤمنين باليسير".
(٤) في "ب": "وكتب لهم على نفسه".
(٥) في "هـ": "وضمن لهم في الكتاب".
(٦) في "ج": "رحمةً".
(٧) في "ج، هـ": "فضل اللَّه".
وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدهُ لا شريكَ له، شهادةَ عبده وابن عبدِه وابن أمَتِه، ومن لا غنى به١ طرفة عينٍ عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنَّة والنجاة من النَّار إلا بعفوه ومغفرته.
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، وأمينُه على وحيهِ، وخيرته من خَلْقِه، أرسله رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين، ومحجَّةً للسَّالكين، وحُجَّةً على العباد أجمعين، بعثه للإيمان به٢ مناديًا، وإلى دار السَّلام داعيًا، وللخليقة هاديًا، ولكتابه٣ تاليًا، وفي مرضاته ساعيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، أرسلَه على حين فترةٍ من الرسل، ودروسٍ من السبل٤، فهدى به إلى أقوم الطرق، وأوضح السبل، وافترضَ على العباد طاعته ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، والقيامَ بحقوقه، وسدَّ إلى٥ الجنَّة جميع الطرقِ، فلم يفتحها لأحدٍ إلَّا من طريقه، فلو أتوا من كلِّ طريق، واستفتحوا من كلِّ بابٍ، لَمَا فُتِحَ لهم حتى يكونوا خَلْفَهُ من الدَّاخلين، وعلى منهاجه وطريقته٦ من السالكين. فسبحانَ من شرحَ له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذِكْرَهُ،
(١) في "ج، د": "له".
(٢) من "أ".
(٣) في "هـ": "ولكتابه العزيز".
(٤) قوله "ودروس من السبل" من "هـ"، ونسخةٍ على حاشية "أ".