من بني عمرو بن عوف - عن دَلْهم بن الأسود بن عبد اللَّه بن حاجب بن عامر بن المُنْتَفِق العُقَيلي عن أبيه عن عمِّه لقيط بن عامر قال دَلْهم: وحدَّثنيه أيضًا١ أبي الأسودُ عن عاصم بن لَقِيْط: أنَّ لقيطًا خرج وافدًا إلى رسول اللَّه ﷺ ومعه صاحبٌ له يُقال له نَهِيْك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجتُ أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول اللَّه ﷺ حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في النَّاسِ خطيبًا فقال: "أيها النَّاسُ ألَا إنِّي قد خبأتُ لكم صوتي منذ أربعة أيَّامٍ ألا لأُسْمِعنَّكُم٢، ألَا فَهَلْ من امْرئٍ بعثه قومه؟ فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول اللَّه ﷺ؟ ألا ثُمَّ لعله أنْ يلهيه حديثُ نفسه، أو حديث صاحبه أو يلهيه الضَّلال، ألَا وإنِّي مسؤول هل بلَّغْتُ، ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا، قال: فجلس النَّاسُ، وقمتُ أنا وصاحبي، حتَّى إذا فرَّغ لنا فؤاده وبصره، قلتُ: يا رسول اللَّهِ ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعَمْرُ اللَّهِ وهزَّ رأسهُ، وعلم أنِّي أبتغي سَقْطَةً٣، فقال: ضَنَّ ربُّكَ ﷿ بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلَّا اللَّهُ، وأشار بيده، قلتُ: وما هي؟ قال: علم المَنِيَّة، قد عَلِمَ متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعِلْم المنيِّ حين يكون في الرَّحم قد علمه ولا تعلمون٤، وعلم ما في غدٍ ما أنت طاعمٌ غدًا، ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف
= في "هـ" "عباس" بدل "عياش" وقد قيل به.
(١) من "د".
(٢) في "ب": "لأسمعكم".
(٣) جاء في "المسند" "لسقطه"، وفي نسخةٍ على "د" "مظرة".
(٤) من قوله "وعلم المني" إلى "تعلمون" من "د".
عليكم أزلين مشفقين، فيظل يضحك، قد علم أنَّ غِيَرَكُم إلى قرب"١، قال لقيط: قلتُ: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا، وعلمَ يوم السَّاعة، قلتُ: يا رسول اللَّه، علمنا مما تُعَلَّمُ النَّاسَ، وما تَعْلَمُ، فإنَّا من قَبيلٍ لا يصدقون تصديقنا أحد: من مَذْحِج التي تَرْبُوا علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها. قال: تلبثون ما لبثتم، ثمَّ يُتَوفَّى نبيكم، ثمَّ تلبثون ما لبثتم، ثمَّ تُبْعَثُ الصائحة، لعَمْرُ إلهِكَ ما تدَعُ على ظهرها شيئًا إلَّا ماتَ، والملائكة الَّذين مع ربِّك ﷿، فأصبحَ ربُّكَ ﷿ يطوفُ في الأرضِ وخلَتْ عليه البلاد، فأرسل ربُّك ﷿ السماء بهَضْبٍ٢ من عند العرشِ، فلعمرُ إلهك ما تدعُ على ظهرها من مصرع٣ قتيل، ولا مدفن ميت إلَّا شقَّت القبر عنه، حتَّى تخلقه٤ من عند رأسهِ، فيستوي جالسًا، فيقول ربك: مَهْيَمْ٥، لما كان فيه. يقول: يا رب أمِتْني اليوم، ولعهده بالحياةِ يحسبه حديثًا بأهله، فقلتُ: يا رسول اللَّه، كيف يجمعنا بعدما تُمزقنا الرِّياح والبِلَى والسِّباع؟ قال: أُنْبِئُك بمثل ذلك في آلاءِ اللَّه: الأرض، أشرفت عليهَا وهي مدرة بالية، فقَلت: لا تحيا أبدًا، ثمَّ أرسل ربك ﷿ عليها السماء فلم تلبث عليك إلَّا أيَّامًا حتى أشْرفْتَ عليها، وهي شَرَبَّة واحدة، ولَعَمْرُ إلهك لهو أقدرُ على أنْ يجمعهم من الماءِ على أنْ يجمع نبات الأرضِ،
(١) في "ب، ج، د، هـ": "إليَّ قريب".
(٢) في "د": "تهضِب". والمراد: المطر
(٣) في نسخةٍ على "د": "مفزع".
(٤) في "هـ" ونسخةٍ على "أ": "تجعله" وفي "أ، ج": "تخلفه".
(٥) كلمة استفهام، أي: ما حالك؟ وما شأنك، أو: ما وراءك. الوسيط، ص (٩٢٩).