قال نُفَاةُ الإيلاد: فهذا حديث صريحٌ في انتفاء الولد، وقوله: "إذا اشتهى" معلق بالشرط، ولا يلزم من التعليق وقوع المُعَلَّق ولا المعلق به، و"إذا" وإنْ كانت ظاهرةً في المحقَّق، فقد استعمل لمجرد التعليق الأعم من المحقَّق وغيره.
قال سفيان: أنبأنا ابن أبي نجيح عن مجاهد: "مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبصاق والمني والولد"١.
وقال أبو معاوية: حدثنا ابن جريج عن عطاء: "أزواج مطهرة" قال: "من الولد والحيض، والغائط والبولِ"٢.
الثالث: قوله: "غيرَ أنَّهُ لا مَنِي ولا مَنِيَّة" وقد تقدم٣، والولد إنَّما يخلق من ماء الرجل، فإذا لم يكن هناك مني ولا مذي ولا نفخ في الفرج لم يكن هناك إيلاد.
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٦٤) رقم (٢٦)، والطبري في تفسيره (١/ ١٧٦)، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ١٧٦) وسنده صحيح.
(٣) ص (٥٢٠، ٥٢١).
الرَّابع: أنَّه قد ثبتَ في "الصحيح"١ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "يبقى في الجنَّة فضلٌ فينشئُ اللَّه لها خلقًا فيسكنهم إيَّاها"، ولو كان في الجنَّة إيلاد لكان الفضل لأولادهم، وكانوا أحقَّ به من غيرهم.
الخامس: أنَّ اللَّهَ ﷾ جعل الحمل والولادة مع الحيض والمني، فلو كُنَّ النساء يحْبَلْنَ في الجنَّة لم يقطع عنهنَّ الحيض والإنزال.
السادس: أنَّ اللَّهَ سبحانه قدر التناسل في الدنيا؛ لأنَّه قدر الموت، وأخرجهم إلى هذه الدَّارِ قرنًا بعد قرنٍ، وجعل لهم أمَدًا ينتهون إليه، فلولا التناسل لبطل النوع الإنساني، ولهذا الملائكة لا تتناسل، فإنَّهم لا يموتون كما تموت الإنس والجنَّ، فإذا كان يوم القيامة أخرج اللَّهُ سبحانه النَّاسَ كلهم من الأرضِ، وأنشأهم للبقاءِ لا للموتِ فلا يحتاجون إلى تناسل يحفظ النوع الإنساني، إذ هو منشأ للبقاء والدوام، فلا أهل الجنَّة يتناسلون، ولا أهل النَّار٢.
السابع: أنَّه ﷾ قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ٣ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ٤﴾[الطور: ٢١]. فأخبر سبحانه أنَّه يكرمهم بإلحاق ذُرِّياتهم الَّذين كانوا لهم في الدنيا، ولو كان ينشئ
(١) أخرجه مسلم (٢٨٤٨) من حديث أنس ﵁.
(٢) وقع في "د" إضافة "يتناسلون" لكنَّه ضرب عليها.
(٣) هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء، وقرأ الجمهور بالإفراد ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ انظر النشر في القراءات العشر لابن الجزري (٢/ ٢٨٢).
(٤) هكذا قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب، انظر المصدر السابق.