ينامون، ويلهمون التسبيح ولا يهرمون على تطاول الأحقاب، ولا تنمو أبدانهم، بل القدر الَّذي جعلوا عليه لازمٌ لهم أبدًا، واللَّه تعالى أعلمُ.
فهذا ما في هذه المسألة.
فأمَّا قولُ بعضهم: إنَّ القُدْرة صالحة، والكلَّ ممكن. وقول آخرين١: إنَّ الجنَّة دار المكلفين التي يستحقونها بالعملِ. وأمثال هذه المباحث فرخيصة، وهي في كتب النَّاسِ، وباللهِ التوفيقِ.
وقال الحاكمُ: "قال الأستاذُ أبو سهل: أهل الزيغ ينكرون هذا الحديث -يعني: حديث الولادة في الجنَّة - وقد رُوِيَ فيه غير إسناد، وسُئِلَ النَّبي ﷺ عن ذلك فقال: يكون ذلك على نحوٍ ممَّا روينا، واللَّه ﷾ يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾[الزخرف: ٧١]، وليس بالمستحيل أنْ يشتهي المؤمنُ - الممكن من شهواته، المصفَّى المقرَّب المسلَّط على لذَّاته - قُرَّة عين، وثمرة فؤاد من الَّذين أنعم اللَّهُ عليهم بأزواجٍ مطهرة.
فإنْ قيل: ففي الحديث أنَّهنَّ لا يحضن ولا يَنْفَسْنَ فأنَّى يكون الولد؟
قلتُ: الحيضُ سببُ الولادة المُمْتدّ أمَدُهُ بالحملِ على الكره والوضع عليه، كما أنَّ جميع ملاذَّ الدنيا من المشارب والمطاعم والملابس على ما عُرِفَ من التعب والنصبِ، وما يَعْقبهُ كلُّ منها٢،
(١) في "ب، ج": "الآخرين".
(٢) في "ب، ج، د، هـ": "منهما".
ممَّا يُحْذرُ منه ويُخاف من عواقبه، وهذه خمرةُ الدنيا المحرمة المستولية على كلِّ بَلِيَّةِ قد أعدَّها اللَّهُ تعالى لأهل الجنَّة منزوعة البلية، مُوَفَّرة١ الَّلذة، فلمَ لا يجوزُ أنْ يكون على مثله الولدُ؟ انتهى كلامه"٢.
قلتُ: النَّافون للولادة في الجنَّة لم ينفوها لزيغ في قلوبهم، ولكن لحديث أبي رزين "غيرَ أنْ لا توالد" وقد حكينا قول٣ عطاء وغيره "أنَّهنَّ مطهرات من الحيض والولد"٤.
وقد حكى الترمذي عن أهل العلم من السلف والخلف في ذلك قولين، وحكينا قول إسحاق بإنكاره، وقال أبو أُمامة ﵁ في حديثه: "غيرَ أنْ لا مَنيَّ ولا منيَّة"، والجنَّة ليست دار تناسل، بل دار بقاء وخلد، لا يموت من فيها فيقوم نسله مقامه.
وحديث أبي سعيد الخدري هذا أجودُ أسانيده إسنادُ الترمذي، وقد حكم بغرابته، وأنَّه لا يُعْرف إلَّا من حديث أبي الصِّديق النَّاجي، وقد اضطرب لفظه: فتارةً يروى عنه: "إذا اشتهى الولد"، وتارة: "إنَّه ليشتهي الولد"، وتارةً: "إنَّ الرجل من أهل الجنَّة ليولد له" فاللَّه أعلمُ، فإنْ كان رسول اللَّه ﷺ قد قاله، فهو الحقُّ الَّذي لا شكَّ فيه، وهذه الألفاظ لا تنافي بينها، ولا تُناقِضُ حديث أبي رزين "غيرَ أنْ لا توالد"
(١) في "ب": "مغفورة".
(٢) ذكره البيهقي في البعث والنشور ص (٢٢٠ - ٢٢١) رقم (٤٤٢).