زُرَافاتٍ١ ووحدانًا، وإذا عَرض لهم عرضٌ٢ عاجلٌ من الدنيا لم يؤثروا عليه ثوابًا من اللَّه ولا رضوانًا: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ٧﴾[الروم: ٧]، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ١٩﴾[الحشر: ١٩].
والعَجبُ كلُّ العجب مِنْ غفلة مَنْ لحظاتُه معدودةٌ عليه، وكل نَفَسٍ من أنفاسه لا قيمة له، وإذا ذهب لم يرجع إليه، فمَطَايا الليلِ والنَّهار تُسرِعُ به، ولا يتَفَكَّرُ إلى أين يُحْمل، ويسارُ به أعظم من سير البَرِيْدِ، ولا يدري إلى أيِّ الدَّارين يُنقل، فإذا نَزَلَ به الموتُ اشتدَّ قلقُهُ لخراب ذاتِهِ، وذهاب لذَّاتِهِ، لا لِمَا سبقَ من جنَاياتِهِ، وسلَفَ مِنْ تَفْرِيْطِهِ، حيثُ لم يُقَدِّم لحياته، فإن خطرتْ له خطَرةٌ عارضةٌ لِمَا خُلِقَ له، دَفَعَها باعتماده على العفو، وقال: قد أنبأنا اللَّه٣ أنَّه هو الغفور الرحيم، وكأنَّه لم يُنَبَّأ: أنَّ عذابه هو العذابُ الأليم.
فصل
ولمَّا علم المُوَفَّقون ما خُلقوا له، وِما أريدَ بإيجادهم، رفعوا رؤوسهم، فإذا عَلَم الجنة قد رُفِعَ لهم، فشَمَّروا إليه، وإذا صراطُها المستقيم قد وَضَحَ لهم، فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظمِ
(١) وقع في "هـ" "زُمُرًا". والزرافات: الجماعات، والزرافة -بالفتح-: الجمع من الناس، انظر الصحاح (٢/ ١٠٤٨).
(٢) ليس في "هـ".
(٣) من "أ، هـ".
الغَبْنِ١ بيعُ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلب بشر، في أبدٍ لا يزول، ولا ينفذُ = بصُبَابَة٢ عيشٍ، إنَّما هو كأضغاث أحلام، أو كطيفٍ٣ زارَ في المنَام، مَشوبٍ بالنُّغَصِ٤، ممزوجِ بالغُصَصِ٥، إنْ أضحك قليلًا أبكى كثيرًا، وإن سَرَّ يومًا أحزنَ شهورًا، آلامُهُ تزيدُ على لذَّاتِهِ، وأحزانه أضعافُ أضعاف مَسَرَّاتِهِ، أوله مخَاوف، وآخرُهُ مَتَالِف.
فيَا عَجبًا من سفيهٍ في صورة حكيم٦، ومعتوهٍ في مِسْلَاخ٧ عاقلٍ، آثر٨ الحظ الفاني الخسيس، على الحظِّ الباقي النفيس، وباع جنَّةً عرضها السموات والأرض؛ بسجنٍ ضيِّقٍ بين أرباب العاهات٩، ومساكن طيِّبةً في جنَّات عدن تجري من تحتها الأنهارَ، بأعْطَانٍ١٠
(١) الغبن: النقص، الصحاح (٢/ ١٥٨٩).
(٢) الصُّبابة: البقيَّة من الماءِ في الإناء، الصحاح (١/ ١٧٦)، والمعنى: بحياةٍ قصيرة.
(٣) الطائف: ما كان كالخيال، يلمُّ بالشخص. المعجم الوسيط ص (٥٩٨).
(٤) النغص: الكدر، الصحاح (١/ ٨٣٠).
(٥) الغُصَصَ: ما اعترض في الحَلْق من شجى أو طعام أو شراب. الصحاح (١/ ٨٢١)، والمعجم الوسيط ص (٦٨٦).