أخبر ﷾ أنَّ أهل الجنَّة أقبل بعضهم على بعض يتحدثون، ويسأل بعضهم بعضًا عن أحوال كانت في الدنيا، فأفضت بهم المحادثة والمذاكرة إلى أنْ قال قائلٌ منهم: كان لي قرينٌ في الدنيا ينكر البعث والدَّار الآخرة، ويقول ما حكاهُ اللَّهُ عنه، يقول: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ٥٢﴾ بأنَّا نُبعث ونُجازى بأعمالنا، ونُحاسبُ بها بعد أنْ مَزَّقَنَا البِلَى، وكُنَّا تُرابًا وعظامًا، ثمَّ يقول المؤمنُ لإخوانه في الجنَّة: هل أنتم مطلعون في النَّارِ لننظر منزلة قريني هذا وما صار إليه.
هذا أظهرُ الأقوالِ، وفيها قولان آخران:
أحدهما: أنَّ الملائكة تقول لهؤلاء المتذاكرين الَّذين يحدث بعضهم بعضًا: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ٥٤﴾[الصافات: ٥٤].
رواهُ عطاء عن ابن عباس١.
(١) لم أقف عليه. وذكر هذا القول القرطبي في الجامع (١٥/ ٨٢)، وابن الجوزي =
والثاني: أنَّه من قول اللَّه ﷿ لأهل الجنَّة يقول لهم: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ٥٤﴾.
والصحيح القول الأوَّل١، وأنَّ هذا قول المؤمن لأصحابه ومحادثيه، والسياق كله والإخبار عنه وعن حال قرينه.
قال كعب: "بين الجنَّة والنَّارِ كُوًى، فإذا أراد المؤمنُ أنْ ينظر إلى عدوٍّ كان له في الدنيا اطَّلعَ من بعض تلك الكُوى"٢.
وقوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ أي: أشرف. قال مقاتل: "لما قال لأهل الجنَّة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾؟ قالوا له: إنَّك أعرف به منَّا، فاطَّلِعْ أنت، فَأَشْرَفَ فرأى قرينه في وسط الجحيم، ولولا أنَّ اللَّه عرَّفه إيَّاهُ لما عرَفه، لقد تغيَّر وجهُهُ ولونُهُ وغيَّرهُ العذاب أشدَّ تغيير، فعندها قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ٥٦ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ٥٧﴾[الصافات: ٥٦ - ٥٧] أي: إنْ كدتَ لتهلكني، ولولا أنْ٣ أنعمَ اللَّهُ عليَّ بنعمه لكنتُ من المحضرين معَك في العذاب"٤.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره "كما في الدر المنثور (٥/ ٥٢) بنحوه"، وذكره ابن المبارك "كما عند القرطبي (١٥/ ٨٣) بمثله". من طريق قتادة قال: ذكر لنا أنَّ كعب فذكره. وسنده منقطع، قتادة لم يدرك كعب الأحبار.