الباب الستون: في ذكر سوق الجنَّة وما أعدَّ اللَّهُ تعالى فيه١ لأهلها
قال مسلم في "صحيحه"٢: حدثنا سعيد بن عبد الجبار الصَّيرفي، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة لسُوقًا يأتونها كلَّ جمعة، فتهبُّ ريحُ الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حُسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم، وقد ازدادوا حُسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: واللَّهُ لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم واللَّهِ لقد ازددتم بعدنا حُسنًا وجمالًا".
ورواهُ الإمام أحمد في "مسنده" عن عفَّان، عن حماد بن سلمة به٣. وقال: "فيها كثبان المسكِ فإذا خرجوا إليها هبَّت الرِّيح"٤.
وقال ابن أبي عاصم في كتاب "السنة": حدثنا هشام بن عمَّار حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب أنَّه لقيَ أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أسأل اللَّه أنْ يجمع بيني وبينك في سوقِ الجنَّة، فقال سعيد: أوَ فيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول اللَّه ﷺ: "أنَّ أهلَ الجنَّة إذا دخلوها نزلوها بفضل
(١) ليس في "هـ"، ووقع في "أ" "وما أُعِدَّ فيه".
(٢) برقم (٢٨٣٣).
(٣) من "أ، ج، هـ".
(٤) "المسند" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥).
أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون اللَّه ﵎، فيبرز لهم عرشه، ويتبدَّى لهم في روضة من رياض الجنَّة، فيوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم - وما فيها دنيٌّ - على كثبان المسك والكافور، وما يرون أنَّ أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا، قال أبو هريرة: فقلتُ: هل١ نرى ربنا ﷿؟ قال: نعم، قال: هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدرِ؟ قلنا: لا، قال: فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم ﵎، ولا يبقى في ذلك المجلس أحدٌ إلَّا حاضره اللَّه محاضرة، حتَّى يقول: يا فلان بن فلان، أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟ فيُذَكِّره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: بلى، فيقول: يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبمغفرتي بلغتَ منزلتك هذه، قال: فبينما هم على ذلك، غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قطُّ، ثمَّ يقول ربنا ﵎: قُوموا إلى ما أعددتُ لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، قال: فيأتون سوقًا قد حفَّتْ به٢ بها الملائكة، فيه ما لم تنظرِ العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطر على القلوب، قال: فيُحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيءٌ ولا يُشْتَرى، وفي ذلك السُّوق يلقى أهل الجنَّة بعضهم بعضًا، قال: فيقبل ذو البِزَّة المرتفعة فيلقى من هو دونه - وما فيهم دنيٌّ - فيروعه ما يرى
(١) في السنة: (يا رسول اللَّه، هل. . .)، وفي جميع النسخ "أبو هريرة: وهل".
(٢) ليس في "أ"، وفي باقي النسخ: "بها"، والمثبت من نسخة على حاشية "أ".