حادي الأرواح

ضيقة آخرها الخرابُ والبوار، وأبكارًا عُرُبًا أَتْرَابًا، كأنَّهنَّ الياقوتُ والمرجان؛ بِقَذراتٍ دَنِسَات سيئات الأخلاق مسافحات، أو متخذات أخْدَانٍ١، وحُوْرًا مقصورات في الخيام؛ بخبيثات مُسِيئاتٍ٢ بين الأنامِ٣، وأنهارًا من خمرٍ لذَّةٍ للشاربين؛ بشرابٍ نَجس مُذهبٍ للعقل مُفسدٍ للدنيا والدِّين، ولذَّة النظر إلى وجه العزيز الرحيم؛ بالتمتع برؤية الوجهِ القبيح الدميم، وسماعَ الخطاب من الرحمن؛ بسماع المعازف والغناء والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المَزيد؛ بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطانٍ مريدٍ، ونداءَ٤ المنادي يا أهل الجنَّة: "إنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا٥، وتحيوا فلا تموتوا، وتقيموا فلا تظعنوا، وتشبُّوا فلا تهرموا"٦؛ بغناءِ المُغَنِّين:

وقَفَ الهَوَى بِي حَيْثُ أَنْتِ فَلَيْسَ لِيمُتَأَخرٌ عَنْهُ ولَا مُتَقَدَّمُ
أَجِدُ المَلامَةَ في هَوَاكِ لذيذةحُبًّا لِذِكْرِكِ، فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ٧
  1. = الصحاح (٢/ ١٥٨٤).
  2. (١) أخدان جمع خِدْن، والخدين: الصَّديق. الصحاح (٢/ ١٥٤٩).
  3. (٢) في "د" ونسخةٍ على حاشية "أ" "مُسَيَّبَاتٍ".
  4. (٣) في "د" ونسخةٍ على حاشية "أ" "الأنعام".
  5. (٤) في "هـ" "وقد نادى" بدل "ونداء".
  6. (٥) في "ج": "تيأسوا"، والمثبت أولى لموافقته لما في صحيح مسلم.
  7. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٣٧).
  8. (٧) انظر ديوان أبي الشيص الخزاعي ص (١٠١ - ١٠٢).
10

وإنَّما يظهرُ الغَبْنُ الفاحشُ في هذا البيعِ يومَ القيامة، وإنَّما يتبينُ سَفَهُ بائِعِهِ يوم الحسرةِ والندامة، إذا حُشِرَ المتقون إلى الرحمن وفدًا، وسيقَ المجرمون إلى جهنَّم وِرْدًا، ونادى المُنادي على رؤوس الأشهاد، ليعلمنَّ أهلُ الموقفِ من أولى بالكرمِ من بين العبادِ، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أُعِدَّ لهم من الإكرام، وادُّخرَ لهم من الفضل والإنعام، وما أُخْفِيَ لهم من قُرَّة أعين، لم يقعْ على مثلها بصر، ولا سمعته أذن، ولا خطرَ على قلب بشر = لَعَلِمَ أيَّ بضاعة أضاع، وأنَّه لا خيرَ له في حياته، وهو معدودٌ من سَقَطِ المتاعِ، وعلمَ أنَّ القومَ قد توسَّطوا مُلْكًا كبيرًا، لا تعتريه الآفات، ولا يلحَقه الزوال، وفازوا بالنَّعيمِ المُقيمِ في جوار الكبير المُتَعَالِ.

فهُمْ في روضاتِ الجنَّات يتقلبون، وعلى أَسِرَّتهَا تحت الحِجَالِ يجلسون، وعلى الفُرشِ -التي بطائنها من استبرقٍ- يتَّكئون، وبالحور العين يتمتعون، وبأنواع الثمار يتفكهون، ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ١٧ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ١٨ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ١٩ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ٢١ وَحُورٌ عِينٌ ٢٢ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ٢٣ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٢٤﴾ [الواقعة: ١٧ - ٢٤]، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ١ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]. تاللهِ، لقد نُوديَ عليها في سوقِ الكَسادِ، فما قلَّبَ ولا

  1. (١) كذا في جميع النسخ، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وخلف ويعقوب وحمزة والكسائي، وقرأ باقي العشرة "تشتهيه".
    انظر "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ص (٢٧٦).
11

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي