وقال أبو نعيم: حدثني محمد بن علي بن حبيش حدثنا إبراهيم بن شريك حدثنا أحمد بن يونس حدثنا المُعَافَى بن عمران - وكان من خيار النَّاس - قال: حدثني إدريس بن سِنَان، عن وهب بن مُنَبه، عن محمد بن علي، قال إدريس: ثمَّ لقيت محمد بن علي بن الحسين بن فاطمة فحدثني قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إنَّ في الجنَّة شجرةً يُقال لها طُوبَى، لو سُخِّرَ الجواد الرَّاكب أنْ يسير في ظلِّها لسار فيها مئة عام، ورقها برودٌ خضرٌ، وزهرها رياط صفْر، وأقناؤها سندس وإستبرق، وثمرها حُللٌ، وصمغها زنجبيل وعسل، وبطحاؤها ياقوت أحمر، وزمرد أخضر، وأترابها مسكٌ، وحشيشها زعفران، منبع الألنجوج١ يؤجَّجان من غير وقود، يتفجَّر من أصلها أنهار السلسبيل والمعين والرَّحيق، وظلها مجلس من مجالس أهل الجنَّة يألفونه، ومتحدث يجمعهم، فبينا هم يتحدثون في ظلها إذ جاءتهم الملائكة يقودون نُجُبًا جُبِلت من الياقوت، ثمَّ نُفِخَ فيها الروح مزمومة بسلاسل من ذهبٍ، كأنَّ وجوهها المصابيح نضارةً وحسنًا، وَبَرُهَا حرير٢ أحمر، ومِرْعِزِّي أبيض مختلطان، لم ينظر الناظرون إلى مثلها، عليها رحائل٣ ألواحها من الدرِّ والياقوت، مُفضَّضة باللؤلؤ والمرجان، صفافها من الذهب الأحمر، ملبسة بالعبقري والأرجوان، فأناخُوا إليهم تلك النجائب، ثم قالوا لهم: إن ربكم ﵎ يقرئكم
(١) الألنجوج: العود الذي يُتبخَّر به. النهاية (١/ ٦٢).
(٢) في "هـ": "جزا" وعند ابن أبي نعيم "خَزٌّ".
(٣) كذا في جميع النسخ وابن أبي الدنيا، وعند أبي نعيم "رحال".
السلام، ويستزيركم لتنظروا إليه، وينظر اليكم، وتحيونه ويحييكم، ويكلمكم وتكلمونه، ويزيدكم من سعته وفضله، إنه ذو رحمة واسعة، وفضل عظيم. فيتحول كل رجل منهم على راحلته، ثم انطلقوا صفًّا واحدًا معتدلًا، لا يفوت منه شيء شيئًا، ولا يفوت أذن الناقة أذن صاحبتها، ولا بِرْكَة١ ناقة بركة صاحبتها، ولا يمرون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرتها، وَرَحَلَتْ لهم عن طريقهم كراهية أن ينثلم صفهم، أو يفرق بين الرجل ورفيقه، فلما رفعوا إلى الجبار ﵎ أسفر لهم عن وجهه الكريم، وتجلى لهم في عظمته العظيمة، فقالوا: ربنا أنت السلام ومنك السلام، ولك حق الجلال والإكرام، فقال لهم ربُّهم ﵎: إنِّي السلام، ومنِّي السلام، ولي حق الجلال والإكرام، مرحبًا بعبادي الذين حفظوا وصيتي، ورعوا عهدي، وخافوني بالغيب، وكانوا مني على كل حال مشفقين. قالوا: وعزتك وجلالك وعلو مكانك، ما قدرناك حق قدرك، وما أدينا إليك كل حقك، فائذن لنا بالسجود، فقال لهم ربهم ﵎: إني قد وضعت عنكم مؤنة العبادة، وأرحتُ لكم أبدانكم، فطالما أنصبتم لي الأبدان، وأعنيتم لي الوجوه، فالآن أفضيتم إلى رَوحي ورحمتي وكرامتي، فسلوني ما شئتم، وتمنُّوا عليَّ أُعطِكُم أمانيكم، فإنِّي لن أجزِيَكُم اليوم بقدر أعمالكم، ولكن بقدر رحمتي وكرامتي، وَطَوْلي وجلالي، وعلو مكاني وعظمة شأني. فما يزالون في الأماني والعطايا
(١) بركة: ما ولي الأرض من جلد بطن البعير وما يليه من الصدر، واشتقاقه من مبرك البعير. معجم تهذيب اللغة للأزهري (١/ ٣١٨).