ووفدي قد طعموا وشربوا، فكِّهُوْهُم، فتجيء ثمرات شجر مدلاة، فيأكلون منها ما شاؤوا، ثمَّ يقول: عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا، أكسوهم، فتجيء ثمرات شجر أخضر وأصفر وأحمر، وكل لونٍ لم تنبت إلَّا الحلل، فينشر عليهم حللًا وقُمصًا، ثمَّ يقول: عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا وكُسوا، طيِّبوهم، فيتناثر عليهم المسلك مثل رُذاذِ المطرِ، ثمَّ يقول: عبادي وجيراني وخلقي ووفدي قد طعموا وشربوا وفَكهوا وكسوا وطيِّبوا لأتجلينَّ لهم حتَّى ينظروا إليَّ، فإذا تجلَّى لهم فنظروا إليه؛ نضرت وجوههم، ثمَّ يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فتقول لهم أزواجهم: خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها؟ فيقولون: ذلك أنَّ اللَّه جلَّ ثناؤه تجلَّى لنا فنظرنا إليه، فنضرتْ وجوهنا"١.
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أنبأنا إسماعيل بن عيَّاش، قال: حدثني ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير العجلي عن شُفي بن ماتع٢ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ من نعيم أهل الجنَّة أنَّهم يتزاورون على المطايا والنجب، وأنَّهم يُؤْتَون في الجنَّة بخيلٍ مُلجمة مسرجة لا تروث ولا تبول، يركبونها حتَّى ينتهوا حيث شاء اللَّه، فيأتيهم مثلُ السحابة فيها
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٣٣٩). وسنده ضعيف جدًا، فيه عبد اللَّه بن عَرَادة. انظر: تهذيب الكمال (١٥/ ٢٩٥).
(٢) في "ج": زيادة "الأصبحي".
ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، فيقولون: أمطري علينا فما يزال المطر عليهم حتَّى ينتهيَ ذلك فوق أمانيهم، ثمَّ يبعث اللَّه تعالى ريحًا غير مؤذية فتنسفُ كثبانًا من مسك عن أيمانهم وعن شمائلهم، فيأخذون ذلك المسك في نواصي خيولهم وفي مفارقها وفي رؤوسهم، ولكلِّ رجلٍ منهم جُمَّة على ما اشتهتْ نفسه، فيتعلق ذلك المسك في تلك الجمام، وفي الخيلِ وفيما سوى ذلك من الثياب، ثمَّ يقبلون حتَّى ينتهوا إلى ما شاء اللَّه، فإذا المرأة تنادي بعض أولئك: يا عبد اللَّه أَمَا لَك فينا حاجة؟ فيقول١: ما أنت، ومن أنت؟ فتقول: أنا زوجتك وحِبك، فيقول: ما كنت علمت بمكانك، فتقول المرأة: وما تعلم أنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٧﴾[السجدة: ١٧]، فيقول: بلى وربِّي. فلعلَّه يشتغل عنها بعد ذلك الموقف أربعينَ خريفًا، ما يشغله عنها إلَّا ما هو فيه من النعيم"٢.
فصل
وقد جعل اللَّهُ سبحانه السحاب وما يمطره سببًا للرحمة والحياة، في هذه الدَّار، ويجعله سببًا لحياةِ الخلقِ في قبورهم، حيث يمطر على الأرضِ أربعين صباحًا٣ مطرًا متداركًا من تحت العرشِ، فينبتون
(١) في نسخة على حاشية "أ": "فيقول: ما كنت علمتُ".
(٢) تقدمَّ الكلامُ عليه في ص (٥٦٦ - ٥٦٧).
(٣) أخرجه المروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك رقم (١٦٠٧). من حديث سلمان الفارسي موقوفًا. =