حادي الأرواح

صحن خدِّها، كما يرى في المرآة التي جلَّاها صيقلها، ويرى مخَّ ساقها من وراء اللحم، ولا يستره جلدها ولا عظمها ولا حُلَلُها، لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين السماء والأرض ريحًا، ولا استنطقت أفواهَ الخلائقِ تهليلًا وتكبيرًا وتسبيحًا، ولتزخرف لها ما بين الخافقين، ولأغمضت عن غيرها كلَّ عينٍ، ولطمستْ ضوءَ الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، ولآمن من على ظهرها باللَّه الحيَّ القيوم، نصيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ووصالها أشهى إليه من جميع أمانيها، لا تزداد على تطاول الأحقاب إِلَّا حسنًا وجمالًا، ولا يزدادُ لها على طول المدى إِلَّا محبة وَوِصالًا، مُبَرَّأة من الحبلِ والولادة والحيضِ والنفاس، مطهَّرة من المخاطِ والبصاق والبولِ والغائط وسائرِ الأَدناس، لا يفنى شبابُهَا، ولا تبلى ثيابها، ولا يخلقُ ثوب جمالها، ولا يملُّ طيبُ وصالها، قد قصرتْ طرفها على زوجها، فلا تطمحُ لأحدٍ سواهُ، وقَصَرَ طرفه عليها فهي غايه أُمنيته وهواه، إنْ نظرَ إليها سرَّته، وإنْ أمرها أطاعته، وإنْ غابَ عنها حفظته، فهو معها في غاية الأماني والأمان، هذا، ولم يطمثها قبله إنسٌ ولا جانٌّ، كلما نظر إليها ملأت قلبه سرورًا، وكلَّما حدثته ملأت أُذُنه لؤلؤًا منظومًا ومنثورًا، وإذا برزت ملأت القصرَ والغرفة نورًا.

وإنْ سألت عن السِنِّ فأترابٌ في أعدلِ سنِّ الشباب.

وإنْ سألت عن الحُسن فهل رأيت الشمس والقمر؟!

وإنْ سألتَ عن الحدَق فأحسن سواد في أصفى بياض، في أحسن حَوَر.

601

وإنْ سألتَ عن القدود فهل رأيتَ أحسن الأغصان؟

وإنْ سألت عن النهود فهنَّ الكواعب، نهودهن كألطف الرمان.

وإنْ سألت عن اللون فكأنَّهن الياقوت والمرجان.

وإنْ سألت عن حسن الخلق فهنَّ الخَيْرات الحسان، الَّلاتي جُمِعَ لهنَّ بين الحسن والإحسان، فأعطين جمالَ الباطن والظاهر، فهنَّ أفراح النفوس، وقُرَّة النواظر.

وإنْ سألت عن حُسْن العِشْرة، ولذة ما هنالك فهنَّ العُرُب المتحببات إلى الأزواج بلطافة التبعل التي تمتزج بالروح أيَّ امتزاج.

فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنَّة من ضحكها، وإذا انتقلت من قصر إلى قصر، قلتَ: هذه الشمس مُنْتقلة١ في بروج فَلَكِهَا، وإذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة، وإنْ خاصرته فيا لذَّة تلك المعانقة والمخاصرة:

وحديثُها السحر الحلالُ لو٢ انَّهلم يَجْنِ قتلَ المسلم المتحرِّز
إنْ طال لم يُمْلَلْ وإنْ هي حدَّثتودَّ المحدَّثُ أنَّها لم توجِزِ٣

إنْ غنَّت فيا لذَّة الأبصارِ والأسماع، وإنْ آنست وأمتعت فيا حبَّذا تلك المؤانسة والإمتاع، وإنْ قَبَّلت فلا شيء أشهى٤ إليه من ذلك

  1. (١) في "ج، د، هـ": "متنقلة".
  2. (٢) من "هـ".
  3. (٣) انظر: ديوان ابن الرومي (٣/ ١١٦٤).
  4. (٤) في "ج": "انتهى".
602

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي