حادي الأرواح

الباب الخامس والستون: في رؤيتهم ربَّهم ﵎ وتجلِّيه لهم ضاحكًا إليهم

هذا البابُ أشرفُ أبواب الكتاب، وأجلُّها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرُّها لعيون أهل السنَّة والجماعة، وأشدُّها على أهل البدعة والفُرقة، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابقَ إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون. إذا ناله أهل الجنَّة نَسُوا ما هم فيه من النعيم، وحِرْمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشدَّ عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلونَ، وجميعُ الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوِّكون، والفرعونية المبطلون١، والباطنية الَّذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرَّافضة الَّذين هم بحبائل الشيطان مُتمسِّكون٢، ومن حبل اللَّه منقطعون، وعلى مسبَّة أصحاب رسول اللَّه ﷺ عاكفون، وللسُّنَّة وأهلها محاربون، ولكلِّ عدوِّ للَّه ورسوله ودينه مسالمونَ، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك أحزاب الضلال، وشيعة الَّلعين، وأعداء الرسول وحزبه.

وقد أخبر سبحانه عن أعلم الخلق به في زمانه، وهو كليمه ونجيُّهُ وصفيُّهُ من أهل الأرضِ، أَنَّه سأل ربه تعالى النظر إليه، فقال له ربُّه

  1. (١) في "ج، هـ" ونسخةٍ على حاشية "أ": "المعطلون".
  2. (٢) في "ج، هـ": "مستمسكون".
605

﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣].

وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوهٍ عديدةٍ:

أحدها: أنْ لا يُظَنَّ بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أنَّه يسأل ربَّهُ ما لا يجوز عليه، بل هو من أبطلِ الباطل، وأعظم المحال، وعند فروخ اليونان، والصائبة، والفِرعونية بمنزلة أنْ يسأله أنْ يأكل ويشرب وينام، ونحو ذلك ممَّا يتعالى اللَّه عنه، فيالله العجب! كيف صارَ أتباعُ الصابئة والمجوس والمشركين عُبَّادِ الأصنام وفروخ الجهمية والفِرْعونية أعلمَ باللَّه تعالى من موسى بن عِمْران، وبما يستحيل عليه، ويجب له، وأشدَّ تنزيهًا له منه؟!

الوجه الثاني: أنَّ اللَّه سبحانه لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره عليه، ولهذا لمَّا سأل إبراهيم الخليل ربه تعالى أنْ يريه كيف يحيى الموتى، لم ينكر عليه، ولمَّا سألَ عيسى ابن مريم ربَّه إنزالَ المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولمَّا سأل نوحٌ ربَّهُ نجاةَ ابنهِ أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ٤٦ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦ - ٤٧].

الوجه الثالث: أنَّه أجابه بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] ولم يقل: إنِّي لا أُرَى، ولا إنِّي لستُ بمرئيّ؛ ولا تجوز رؤيتي. والفرقُ بين الجوابين ظاهرٌ لمن تأمَّلَهُ.

وهذا يدلُّ على أنَّه سبحانه مرئيٌّ، ولكنَّ موسى لا تحتمل قواهُ

606

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي