حادي الأرواح

ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناهُ عن خلقه.

ونفي الظلمِ المتضمن كمال عدلهِ وعلمه وغناه.

ونفي النسيان وعزوب شيءٍ عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته.

ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته.

ولهذا لم يتمدَّح بعَدَمٍ محْضٍ لا يتضمن أمرًا ثبوتيًّا، فإنَّ المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدمٍ، ولا يوصف الكامل بأمرٍ يشترك هو والمعدوم فيه؛ فلو كان المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أنَّهُ لا يُرَى بحالٍ، لم يكن في ذلك مَدْحٌ ولا كمال، لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإنَّ العَدَمَ الصِّرْف لا يُرَى ولا تدركه الأبصارُ، والرَّبُّ ﷻ يتعالى أنْ يُمْدَحَ بما يشاركه فيه العدمُ المحض.

فإذًا، المعنى أنَّه يرى ولا يُدرك، ولا يحاطُ به كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١]، أنَّه يعلمُ كلَّ شيء.

وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، أنَّه كامل القدرة.

وفي قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، أنَّه كامل العدل.

وفي قوله: ﴿لَا تَأْخُذُه سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أنَّهُ كامل القيومِيَّة.

619

فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يدلُّ على غايةِ عظمته، وأَنَّه أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأنَّه لعظمته لا يُدْرَك بحيث يُحَاطُ به، فإنَّ الإدراك هو: الإحاطة بالشيء، وهو قدرٌ زائدٌ على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ٦١ قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢] فلم ينفِ موسى الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ إنَّا لمرْئِيُّون؛ فإنَّ موسى - صلوات اللَّه وسلامه عليه - نفى إدراكهم إيَّاهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾ وأخبر اللَّه سبحانه أنَّه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ٧٧﴾ [طه: ٧٧]. فالرؤية والإدراك كلٌّ منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالربُّ تعالى يُرى ولا يُدْرَكُ، كما يعلمُ ولا يحاط به، وهذا هو الَّذي فهمته الصحابة والأئمة من الآية.

قال ابن عباس ﵄: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لا تُحِيطُ به الأبصار"١.

وقال قتادة: "هو أعظمُ من أنْ تدركه الأبصار"٢.

وقال عطية: "ينظرون إلى اللَّهِ ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ "٣.

  1. (١) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٢٩٩) بلفظ: "لا يحيط بصر أحد بالملك".
    وسنده ضعيف جدًا.
  2. (٢) أخرجه الطبري (٧/ ٢٩٩) وسنده صحيح.
  3. (٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٩/ ١٩٢). وعطية هو العوفي.
620

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي