لم يزل أصحاب رسول اللَّه ﷺ، والتابعون، وتابعوهم، وأهل السنَّة والحديث قاطبة، وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهدِ على اعتقاد ذلك وإثباته؛ مستندين في ذلك إلى نصوص الكتابِ والسنَّة، وما عُلِمَ بالضرورة من أخبار الرُّسل كلهم من أوَّلهم إلى آخرهم، فإنَّهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها. إلى أنْ نبغت نابغة من القدرية١ والمعتزلة٢ فأنكرت أنْ تكون الآن مخلوقة، وقالت: بل اللَّهُ ينشئها يومَ المعاد.
وحَمَلَهم على ذلك أصلهم الفاسد الَّذي وضعوا به شريعةً لِمَا٣ يفعله اللَّه تعالى، وأنَّه ينبغي له أنْ يفعلَ كذا، ولا ينبغي له أنْ يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعاله٤، فهم مُشبِّهة في الأفعالِ، ودخل التجهُّم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات. وقالوا: خَلْقُ الجنَّة قبل الجزاءِ عبث، فإنَّها تصير معطلة مُدَدًا متطاولة ليس فيها سكانها.
(١) هم منكروا القَدَر.
(٢) فرقةٌ ظهرت في عهد الحسن البصري، ثمَّ تطورت عقائدهم.
(٣) في "د": "فيما".
(٤) كذا في جميع النسخ، وجاء في "هـ" "أفعالهم" لكن ضرب عليها النَّاسخ وأثبت "أفعاله".
وقالوا: ومن المعلوم أنَّ ملكًا لو اتخذ دارًا، وأعدَّ فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح، وعطَّلها من النَّاسِ، ولم يُمَكِّنهم من دخولها قرونًا متطاولة = لم يكن ما فَعَلَهُ واقعًا على وجه الحكمة، ووجد العقلاء سبيلًا إلى الاعتراض عليه.
فحجروا على الربِّ ﵎ بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة وشبَّهوا أفعاله بأفعالهم، وردوا من النصوص ما خالف هذه الشَّريعة الباطلة التي وضعوها للرب، أو حرَّفوها عن مواضعِها، وضلَّلوا وبدَّعوا من خالفهم فيها، والتزموا فيها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء.
ولهذا يذكر السلفُ في عقائدهم: أنَّ الجنَّة والنَّارَ مخلوقتان، ويذكر من صنَّف في المقالات أنَّ هذه مقالة أهل السنَّة، والحديث قاطبة لا يختلفون فيها١.
قال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب "مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلِّين"٢: "جُملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنَّة: الإقرار باللَّه وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند اللَّه، وما رواهُ الثقات عن رسول اللَّه ﷺ، لا يَرُدُّون من ذلك شيئا، واللَّه تعالى إلهٌ واحدٌ فردٌ صمد، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله،
(١) انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة" لِللالكائي: (٣/ ١١٨٤)، "والشريعة" للآجري: (٣/ ١٣٤٣)، و"الرسالة الوافية" للدَّاني ص (١٩٥).
(٢) (١/ ٣٤٥ - ٣٥٠) ط، مكتبة النهضة المصرية، تحقيق: محمد محيي الدِّين عبد الحميد.