ونحن نذكر هذه الأقوال، ومن قالها، وما احتجَّ به أرباب كلِّ قول، ونردُّ ما خالف كتاب اللَّه وسنَّة رسوله ﷺ.
* فأمَّا القولُ بفنائهما فهو قول قاله: جهم بن صفوان، إمام المعطلة الجهمية، وليس له فيه سلف قطُّ من الصحابة ولا من التابعين، ولا أحدٌ من أئمة الإسلام، ولا قال به أحدٌ من أهل السنَّة، وهذا القول ممَّا أنكرهُ عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفَّروهم به، وصاحوا بهم من أقطار الأرضِ، كما ذكر عبد اللَّه بن الإمام أحمد في كتاب "السنة"١ عن خارجة بن مصعب أنَّه قال: كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب اللَّه ﷿: يقول اللَّهُ سبحانه: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾[الرعد: ٣٥] وهم يقولون: لا يدوم، ويقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ٥٤﴾[ص: ٥٤] وهم يقولون: يَنْفَدُ، ويقول اللَّهُ ﷿: ﴿مَا
(١) (١/ ١٣١) رقم (٧٧) وفيه بدل آية النحل آيتي هود (١٠٨)، والواقعة (٣٣)، بأطول مما ساقه المؤلف.
قال شيخ الإسلام: "وهذا قاله جهم لأصله الَّذي اعتقده: وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث، وهو عمدة أهل١ الكلام التي استدلُّوا بها على حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يحل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأي الجهم: أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنعه في المستقبل. فدوام الفعل ممتنع عنده على الرب تعالى في المستقبل، كما هو ممتنع عليه في الماضي.
وأبو الهُذَيل العلَّاف -شيخ المعتزلة- وافقه على هذا الأصل؛ لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، لكونها متعاقبة شيئًا بعد شيء. فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار، حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة.
وزعمت فرقة ممن وافقتهم على امتناع حوادث لا نهاية لها: أن هذا القول مقتضى العقل، لكن لما جاء السمع ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك.
وكأنَّ هؤلاء لم يعلموا أن ما كان ممتنعًا في العقل لا يجيء الشرع بوقوعه، إذ يستحيل عليه أن يخبر بوجود ما هو ممتنعٌ في العقل،
(١) في جميع النسخ "أصل"، والمثبت من نسخةٍ على حاشية "د"، وكتاب شيخ الإسلام في هذه المسألة ص (٤٤).