حادي الأرواح

فصل

وأما أبديَّة النار ودوامها: فقال شيخ الإسلام: "فيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين"١.

قلت: ها هنا أقوال سبعة:

أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبدًا، بل كل من دخلها مخلد فيها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.

والثاني: أن أهلها يعذبون فيها مُدَّةً، ثم تنقلب عليهم، وتبقى طبيعةٌ نارية لهم، يتلذَّذون بها لموافقتها لطبيعتهم. وهذا قول إمام الإتحادية ابن عربي الطائي.

قال في "فصوصه"٢: "الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات، فيثنى عليها بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] لم يقل: وعيده، بل قال: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦] مع أنه توعَّدَ على ذلك، وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد، وقد زال الإمكان في حق الحق، لما فيه من طلب المرجِّح:

  1. (١) انظر المصدر السابق ص (٥٢)، وفيه زيادة "ومن بعدهم".
  2. (٢) ص (٩٣ - ٩٤).
730
فلم يبق إلا صادق الوعد وحدهوما لوعيد الحقِ عينٌ تُعَاين
وإن دخلوا دار الشقاء فإنهمعلى لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد والأمر واحدوبينهما عند التجلِّي تباين
يُسَمَّى عذابًا من عذوبة طعمهوذاك له كالقشر والقشرُ صاين"

وهذا في طرف، والمعتزلة الذين يقولون: لا يجوز على اللَّه أن يُخْلِفَ وعيده، بل يجب عليه تعذيب من توعده بالعذاب= في طرف، فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلًا، وهذا عنده لا يعذب بها أحد أصلًا. والفريقان مخالفان لما عُلِمَ بالاضطرار أن الرسول جاء به، وأخبر به عن اللَّه ﷿.

الثالث: قول من يقول: إن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون. وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ فأكذبهم فيه١، وقد أكذبهم اللَّه تعالى في القرآن فيه:

فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا

  1. (١) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٣٨٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٥٥) رقم (٨١٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٥٤) رقم (٤١٧١)، والواحدي في أسباب النزول ص (٢٦ - ٢٧) وغيرهم.
    وفيه محمد بن أبي محمد الأنصاري مولى زيد بن ثابت، تفرَّد بالرواية عنه ابن إسحاق. قال الذهبي: وقد ورد معناهُ عن غير واحدٍ من التابعين.
731

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي