وقال: حدثنا حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه"٣.
ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ٢٣﴾[النبأ: ٢٣]، فقد رواه عَبْدٌ -وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة- عن هذين الجليلين: سليمان بن حرب، وحجاج بن منهال كلاهما، عن حماد بن سلمة -وحَسْبُك به- وحماد يرويه عن ثابت وحميد، وكلاهما يرويه عن الحسن. وحسبك بهذا الإسناد جلالة.
والحسن وإن لم يسمع من عمر، فإنما رواه عن بعض التابعين، ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لَمَا جزم به وقال: قال عمر بن الخطاب، ولو قُدِّرَ أنه لم يُحْفَظ عن عمر، فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد، مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا، فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب اللَّه وسنة رسوله وإجماع الأئمة، لكانوا أول منكر له.
= وقيل: رمل عالج يحيط بأكثر أرض العربِ. انظر: المعجم للبكري (٢/ ٩١٣)، ومعجم البلدان (٤/ ٧٨).
(١) قوله "على ذلك" ليس في "أ".
(٢) قال ابن القيم: "ورواةُ هذا الأثرِ أئمة ثقات كلهم. . . . " شفاء العليل (٢/ ٧٠٧).
(٣) سقط هذا الأثر كاملًا من "ج".
قال: ولا ريب أنَّ مَنْ قال هذا القول عن عمر، ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها، فأما قوم أصيبوا بذنوبهم، فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها، وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج، ولا قريبًا منه.
ولفظ "أهل النار" لا يختص بالموحِّدين، بل هو مختص بمن عداهم، كما قال ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون"١، ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾[الحجر: ٤٨] بل ما أخبر اللَّه به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه، لكن إذا انقضى أجلها وفنيت كما تفنى الدنيا لم يبق نارًا ولم يبق فيها عذاب.
قال أرباب هذا القول: في "تفسير علي بن أبي٢ طلحة الوالبي": عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ١٢٨﴾[الأنعام: ١٢٨]. قال: "لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللَّه في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا"٣.
قالوا: وهذا الوعيد في هذه الآية ليس مختصًّا بأهل القبلة، فإنه سبحانه قال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ
(١) أخرجه مسلم رقم (١٨٥) مطوَّلًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) سقط من "أ، هـ".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣٨٨) رقم (٧٨٩٧)، والطبري (٨/ ٣٤). وسنده حسن.