حادي الأرواح

في الشرك ودواعيه وأسبابه، وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك، وانقضت آجالنا، وذهبت أعمارنا في ذلك، ولم نكتسب فيها رضاك، وإنَّما كان غاية أمرنا في مُدَّة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض.

فتأمل ما في هذا من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه، وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ذلك اليوم، وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم، هو حظهم من استمتاع بعضهم ببعض، ولم يستمتعوا بعبادة ربهم، ومعرفته وتوحيده، ومحبته وإيثار مرضاته.

وهذا من نمط قولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ١٠﴾.

وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: ١٠، ١١].

وقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥]، ونظائره.

والمقصود أنَّ قوله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصًّا بهم، أو شاملًا لهم ولعصاة الموحِّدين، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له.

ولمَّا رأت طائفة ضعف هذا القول، قالوا: الاستثناء يرجع إلى مُدَّة البرزخ والموقف. وقد تبيَّن ضعف هذا القول.

ورأت طائفة أخرى: أنَّ الاستثناء يرجع إلى نوع آخر من العذاب غير النار.

قالوا: والمعنى: أنكم في النار أبدًا إلا ما شاء اللَّه أن يعذبكم

738

بغيرها، وهو الزمهرير.

وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ٢١ لِلطَّاغِينَ مَآبًا ٢٢ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ٢٣﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٣].

قالوا: والأبد: لا يُقدَّر بالأحقاب.

وقد قال ابن مسعود في هذه الآية: "لَيأتينَّ على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا"١. وعن أبي هريرة مثله٢، حكاه البغوي عنهما. ثم قال: "ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان"٣.

قالوا: قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وعبد اللَّه بن عمرو، وقد سأل حربٌ إسحاق بن راهويه عن هذه الآية٤، فقال: سألت إسحاق، قلت: قول اللَّه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] فقال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن.

حدثنا عبيد اللَّه بن معاذ، حدثنا معتمر بن سليمان، قال: قال أبي:

  1. (١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١١٨) قال حُدِّثت عن المسيب عمَّن ذكره عن ابن عباس، وذكر كلامًا له، ثمَّ قال وقال: ابن مسعود فذكره.
    وسنده ضعيف لإبهام من حدَّثه عن المسيب، ومن ذكره عن ابن عباس.
    وأخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ كما في الدر المنثور (٣/ ٦٣٥) من طريق إبراهيم النخعي قال: قال ابن مسعود: "ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها".
  2. (٢) سيأتي ص (٧٤١).
  3. (٣) معالم التنزيل (٤/ ٢٠٢).
  4. (٤) انظر: مسائر حرب الكرماني ص (٤٢٩).
739

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي