حادي الأرواح

خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧]. قال رسول اللَّه ﷺ: "إن شاء اللَّه أن يخرج ناسًا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فَعَل"١.

وهذا الحديث يدل على أن الاستثناء إنما هو للخروج من النار بعد دخولهم خلافًا لمن زعم: أنه لما قبل الدخول؛ ولكن إنما يدل على إخراج بعضهم من النار، وهذا حق بلا ريب، وهو لا ينفي انقطاعها وفناء عذابها، وأكلها لمن فيها، وأنهم يُعَذَّبون فيها دائمًا ما دامت كذلك، وما هم منها بمخْرَجين، فالحديث دل على أمرين:

أحدهما: أنَّ بعض الأشقياء إن شاءَ اللَّهُ يخرجهم من النار -وهي نار- فَعَلَ، وأن الاستثناء أنما هو فيما بعد دخولها، لا فيما قبله.

وعلى هذا، فيكون معنى الاستثناء: إلا ما شاء ربك من الأشقياء، فإنهم لا يخلدون فيها، ويكون الأشقياء نوعين: نوعًا يخرجون منها، ونوعًا يخلدون فيها، فيكونون من الذين شقوا أوّلًا، ثم يصيرون من الذين سُعِدوا، فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في وقتين.

قالوا: وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً

  1. (١) سنده ضعيف جدًّا.
    فيه يزيد بن مروان الخلال: قال ابن معين "كذَّاب" الجرح (٩/ ٢٩١)، وضعفه الدارمي وأبو داود وقال الدارقطني: "ضعيف جدًّا".
    انظر: اللسان (٦/ ٣٨٠).
744

وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٨].

فهذا صريح في وعيد الكفار المكذبين بآياته، ولا يُقَدَّر الأبدي بمدة الأحقاب١ ولا غيرها، كما لا يقدَّر به القديم، ولهذا قال عبد اللَّه ابن عمرو: فيما رواه٢ شعبة، عن أبي بلج، سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه: "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا"٣.

فصل

والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق:

أحدها: اعتقاد الإجماع، فكثير من الناس يعتقدون أنَّ هذا مجمع عليه بين الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه، وأن الاختلاف فيه حادث، وهو من أقوال أهل البدع.

الطريق الثاني: أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية، فإنه ﷾ أخبر: أنه عذاب مقيم، وأنه لا يُفَتَّر عنهم، وأنه لن يزيدهم إلا عذابًا، وأنهم خالدين فيها أبدًا، وما هم بخارجين من النار، وما هم منها بمخرجين، وأن اللَّه حرم الجنة على الكافرين، وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط، وأنهم لا يقضى عليهم

  1. (١) في "د": "لا أحقاب".
  2. (٢) قوله: "فيما رواهُ"، وقع في "أ": "فيها" بدل "فيما رواهُ".
  3. (٣) تقدم الكلام عليه في ص (٧٤٠).
745

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي