حادي الأرواح

فيموتوا، ولا يُخَفَّف عنهم من عذابها، وأن عذابها كان غرامًا، أي: مقيمًا لازمًا.

قالوا: وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره.

الطريق الثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج مَنْ في قلبه مثقال ذرة مِنْ إيمانٍ دون الكفار، وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان.

الطريق الرابع: أنَّ الرسول وقَّفْنَا على ذلك وعَلِمْنَاهُ من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقلٍ معينٍ، كما عَلِمْنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها.

الطريق الخامس: أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما لا تفنيان، بل هما دائمتان، وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع.

الطريق السادس: أنَّ العقلَ يقضي بخلود الكفار في النَّارِ.

وهذا مبنيٌ على قاعدةٍ وهي: أنَّ المعاد١ وثواب النفوس المطيعة، وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو ممَّا يُعلم بالعقل، أو لا يُعْلَم إلَّا بالسمعِ؟

  1. (١) في "أ، هـ": "النار".
746

فيه طريقان لنظَّار المسلمين، وكثير منهم يذهب إلى أنَّ ذلك يُعلَم بالعقل مع السمع، كمَّا دلَّ عليه القرآن في غير موضع، كإنكارهِ سبحانه على من زعم أنَّه يُسَوِّي بين الأبرار والفجار في المحيا والممات، وعلى من زعم أنَّه خلق خلقه عبثًا، وأنَّهم إليه لا يُرجعون، وأنَّه يتركهم سُدى، أي: لا يثيبهم ولا يعاقبهم، وأنَّ ذلك يقدحُ في حكمته وكماله، وأنَّه نِسْبةُ له١ إلى ما لا يليقُ به، وربما قرَّروهُ بأنَّ النفوس البشرية باقيةٌ، واعتقاداتها وإراداتها صفة لازمةٌ لها لا تفارقها وإن ندمت عليها، لمَّا رأت العذاب، فلم تندم عليها لقبحها وكراهة ربها لها، بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أوَّلًا.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٢٧ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ٢٨﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨]٢.

فهؤلاء قد ذاقوا العذابَ وباشروه، ولم يزل سببه ومُقْتضِيْهِ من نفوسهم، بل خبثها وكفرها قائم بها، لم يفارقها بحيث لو رُدُّوا لعادوا كفارًا كما كانوا، وهذا يدلّ على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل، كما جاء به السمع.

قال أصحاب الفناء: بالكلام على هذه الطرق: يَبِيْنُ الصوابُ في هذه المسألة.

  1. (١) ليس في "ب، د".
  2. (٢) إلى هنا انتهى السقط من "ج".
747

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي