حادي الأرواح

هو المُنَزَّه عن ذلك كما تنزه عن سائر العيوب والنقائص.

وإذا ثبت ذلك، فتعذيبهم إن كان رحمة بهم حتى يزول ذلك الخبث، وتكمل الطهارة = فظاهر، وإن كان لحكمة؛ فإذا حصلت تلك الحكمة المطلوبة زال العذاب، وليس في الحكمة دوام العذاب أَبَدَ الآباد بحيث يكون دائمًا بدوام الرب ﵎، وإن كان لمصلحة فإن كان يرجع إليهم، فليست مصلحتهم في بقائهم في العذاب كذلك، وإن كانت المصلحة تعود إلى أوليائه؛ فإن ذلك أكمل في نعيمهم، فهذا لا يقتضي تأبيد العذاب، وليس نعيم أوليائه وكماله موقوفًا على بقاء آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب السَّرْمَد.

فإن قلتم: إن ذلك هو موجب الرحمة والحكمة١ والخلد٢ والمصلحة. قلتم: ما لا يُعْقَل٣. وإن قلتم: إن ذلك عائد إلى محض المشيئة ولا يطلب له حكمة ولا غاية، فجوابه من وجهين:

أحدهما: أن ذلك محال على أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، أن تكون أفعاله معطلة عن الحِكَمِ٤، والمصالح، والغايات المحمودة، والقرآن والسنة وأدلة المعقول٥ والفطر والآيات المشهودة منه٦

  1. (١) من "ب، د، هـ".
  2. (٢) من "أ، ج".
  3. (٣) في نسخةٍ على حاشية "د": "يُفعَل".
  4. (٤) في "د": "الحكمة".
  5. (٥) في "د، هـ": "العقول".
  6. (٦) من "أ".
773

شاهد ببطلان ذلك.

والثاني: أنَّه لو كان الأمر كذلك لكان إبقاؤهم في العذاب، وانقطاعه عنهم بالنسبة إلى مشيئته سواء، ولم يكن في انقضائه ما ينافي كماله، وهو سبحانه لم يخبر بأبدية العذاب، وأنه لا نهاية له.

وغاية الأمر على هذا التقدير: أن يكون من الجائزات المُمْكِنَات الموقوف حكمها على خبر الصادق.

فإن سلكت طريق التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة لم يقتض الدوام، وإن سلكت طريق المشيئة المحضة التي لا تعلل لم تقتضه أيضًا، وإن وقف الأمر على مجرد السمع فليس فيه ما يقتضيه.

الوجه السادس عشر: أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين، فإنَّه أنشأهم برحمته، وغذاهم برحمته، ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته، وأرسل إليهم الرسل برحمته، وأسباب النقمة والعذاب متأخرة عن أسباب الرحمة طارئة عليها، فرحمته سبقت غضبه فيهم١، وخَلَقَهم على خِلْقَةٍ تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه وعقوبته.

ولهذا ترى أطفال الكفار قد ألقى عليهم رحمته، فمن رآهم رحمهم، ولهذا نُهِيَ عن قتلهم٢، فرحمته سبقت غضبه

  1. (١) في "ب، هـ": "فهم".
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (٢٨٥١ و٢٨٥٢)، ومسلم رقم (١٧٤٤) عن ابن عمر قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول اللَّه ﷺ، فنهى رسول =
774

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي