فهذا إنما قالوه قبل أن يستخرج العذابُ منهم تلك الخبائث، فأما إذا لبثوا في العذاب أحقابًا، والحقب: كما رواه الطبراني في "معجمه"١ من حديث أبي أمامة ﵁ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "الحقب خمسون ألف سنة"٢؛ فإنَّه من الممتنع أن يبقى ذلك الكبر والشرك والخبث بعد هذه المُدَد٣ المتطاولة في العذاب.
الوجه العشرون: أنَّه قد ثبت في "الصحيحين"٤ من حديث أبي سعيد الخدري -في حديث الشفاعة- فيقول اللَّه ﷿: "شفعت الملائكة، وشفع النَّبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم
(١) الكبير (٨/ ٢٩٢) رقم (٧٩٥٧). من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أُمامة.
(٢) وأخرجه ابن أبي عمر العدني في مسنده (٣٧٧٥ - المطالب)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٤٩٤ - ابن كثير)، وابن مردويه (٦/ ٥٠٢ - الدر). قال ابن كثير في تفسيره: "وهذا حديث منكرٌ جدًّا، والقاسم هو والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك". ولا يصح في الباب حديثٌ مرفوع "مسند"، وإنَّما الصحيح أنَّ الحقب: ثمانون سنة، كما جاء ذلك عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وعبد اللَّه ابن عمرو وغيرهم. انظر: تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٧٦)، والطبري (٣٠/ ١١)، والزهد لهناد رقم (٢١٩ و٢٢٠)، والمستدرك للحاكم (٢/ ٥٥٦) (٣٨٩٠)، والدر المنثور (٥/ ٥٠٢ - ٥٠٣).
(٣) في "ب، هـ": "المُدَّة".
(٤) البخاري رقم (٧٧٣، ٧٠٠)، ومسلم رقم (١٨٢).
الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: "نهر الحياة" فيخرجون كما تخرج الحِبَّة في حميل السيل، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء اللَّه الذين أدخلهم اللَّه الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه".
فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم، فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار، بحيث صاروا حممًا: وهو الفحم المحترق بالنار. فظاهر السياق أنَّه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فإن لفظ الحديث هكذا: "فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا ثمَّ يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، فيقول اللَّه ﷿: "شفعت الملائكة، وشفع النَّبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط".
فهذا السياق يدلّ على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، ومع هذا فأخرجتهم الرحمة.
ومن هذا رحمته سبحانه للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار، ويذروه في البر والبحر زَعْمًا منه بأنَّه يفوت اللَّه سبحانه، فهذا قد شك في المعاد والقدرة، ولم يعمل خيرًا قط، ومع هذا فقال له: "ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك وأنت أعلم"١، فما تلافاه أنْ رَحِمَهُ
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٢٩١)، ومسلم رقم (٢٧٥٧) من حديث أبي سعيد =