حادي الأرواح

الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من كل وجه، ونسبة العدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه = يستعطف ربه ﵎ عليه، ويستدعي رحمته له.

وإذا أراد أن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه، ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه، وعلم اللَّه ذلك داخل قلبه وسويدائه، فإنَّه لا تتخلَّف عنه الرحمة مع ذلك.

وفي "معجم الطبراني"١ من حديث يزيد بن سنان الرهاوي، عن سليمان٢ بن عامر، عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرًا لبطن، كالغلام يضربه أبوه، وهو يَفِرُّ منه، يعجز عنه عمله أن

  1. (١) الكبير (٨/ ١٨٥ - ١٨٦) رقم (٧٦٦٩).
    والحديث سنده ضعيف: فيه يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي: ضعيف، وابنه محمَّد بن يزيد بن سنان أضعف منه، يروي عن أبيه مناكير، قاله البخاري.
    لكنَّه توبع؛ تابعه عبد اللَّه بن عقيل الثقفي عند ابن أبي شيبة في مسنده كما سيأتي عند المصنف ص (٧٩٥)، وفي البدور السافرة للسيوطي رقم (١٦٥٢).
    فالحديث مدارهُ على يزيد بن سنان، وهو ضعيف، وقال فيه ابن عدي: "وعامَّة حديثه غير محفوظة".
    انظر: تهذيب الكال (٣٢/ ١٥٦ - ١٥٩)، والكامل لابن عدي (٧/ ٢٧٢).
  2. (٢) كذا في جميع النسخ، وعلَّق عليه ناسخ "أ، د" بقولهما: "كذا، ولعله: سُلَيم الخبائري".
    قلتُ: وهو الصواب سُلَيم بن عامر الخبائري أبو يحيى الحمصي.
782

يسعى فيقول: يا رب بلِّغْ بي الجنة، ونجني من النار، فيوحي اللَّه ﵎ إليه: عبدي، إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة، أتعترف لي بذنوبك وخطاياك؟ فيقول العبد: نعم يا رب، وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي، فيجوز الجسر، فيقول العبد فيما بينه وبين نفسه: لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار، فيوحي اللَّه إليه: عبدي، اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك، وأدخلك الجنة، فيقول العبد: لا وعزتك وجلالك، ما أذنبت ذنبًا قط، ولا أخطأت خطيئة قط، فيوحي اللَّه إليه: عبدي إنَّ لي عليك بَيِّنة، فيلتفت العبد يمينًا وشمالًا، فلا يرى أحدًا، فيقول: يا رب أرني بينتك، فيستنطق اللَّه تعالى جِلْدهُ بالمحقرات، فإذا رأى ذلك العبد يقول: يا رب عندي وعزتك العظائم، فيوحي اللَّه إليه، عبدي أنا أعرف بها منك، اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة، فيعترف العبد بذنوبه، فيدخل الجنة"، ثمَّ ضحك رسول اللَّه ﷺ حتى بدت نواجذه، يقول: "هذا أدنى أهل الجنة منزلة، فكيف بالذي فوقه؟ ".

فالرب تعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذل له، والعزم على مرضاته، فما دام أهل النار فاقدين لهذا الروح، فهم فاقدون لروح الرحمة، فإذا أراد ﷿ أن يرحمهم أو من شاء منهم؛ جعل في قلبه ذلك فتدركه الرحمة، وقدرة الرب ﵎ غير قاصرة عن ذلك، وليس فيه ما يناقض موجب أسمائه وصفاته، وقد أخبر أنَّه فعال لما يريد.

الوجه الثاني والعشرون: أنَّه سبحانه قد أوجب الخلود على معاصي

783

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي