ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند اللَّه من العذاب لم يأمن من النار".
الوجه الثالث والعشرون: أنَّه لو جاء الخبر منه سبحانه صريحًا بأن عذاب النار لا انتهاء له، وأنه أبدي لا ينقطع، لكان ذلك وعيدًا منه سبحانه، واللَّه تعالى لا يخلف وعده، وأما الوعيد: فمذهب أهل السنة كلهم: أن إخلافه عفو وكرم وتجاوز يُمْدَحُ الرب ﵎ به، ويُثنى عليه به، فإنَّه حق له إن شاء تركه، وإن شاء استوفاه، والكريم لا يستوفي حقه، فكيف بأكرم الأكرمين؟.
وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف وعده، ولم يقل في موضع واحد: لا يخلف وعيده.
وقد روى أبو يعلى الموصلي: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا سهيل ابن أبي حزم، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من وعده اللَّه على عمل ثوابًا فهو منجزه، ومن أوعده على عمل عقابًا فهو فيه بالخيار"١.
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦/ ٦٦) رقم (٣٣١٦)، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٩٦٠)، والخرائطي في مكارم الأخلاق رقم (١٨٩)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٣/ ٤٥٠)، والبزار (٣٠١٠ - المطالب) والبيهقي في البعث (٤٨) وغيرهم. والحديث من منكرات سهيل بن أبي حزم، قال البخاري: "لا يتابع في حديثه"، وقال البزار: "سهيل لا يتابع على حديثه"، وقال الإمام أحمد: "روى عن ثابت أحاديث منكرة"، وقال البيهقي: "تفرَّد به سُهيل وليس =
وقال أبو الشيخ الأصبهاني: حدثنا محمَّد بن حمزة، حدثنا أحمد ابن الخليل، حدثنا الأصمعي قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو ابن العلاء فقال: يا أبا عمرو، أيخلف اللَّه ما وعد؟ قال: أفرأيت من أوعده اللَّه على عمله عقابًا، أيخلف اللَّه وعده فيه؟ فقال أبو عمرو بن العلاء: من العُجْمَة أُتِيْتَ يا أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعدّ عارًا ولا خُلْفًا أنْ تَعِدَ شرًّا ثمَّ لا تفعله، ترى ذلك كرمًا وفضلًا، وإنما الخُلْف أن تَعِدَ خيرًا ثمَّ لا تفعله، قال: فأوْجِدْني هذا في كلام العرب، قال: نعم، أما سمعت إلى قول الأول:
ولا يرهبُ ابنُ العم ما عشتُ سطوتيولا أختشى من صولة١ المتهدِّد
قال أبو الشيخ: وقال يحيى بن معاذ: "الوعد والوعيد حق، فالوعد: حق العباد على اللَّه، ضَمِنَ لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا،
= بالقوي". انظر: تهذيب الكمال (١٢/ ٢١٨ - ٢١٩). قلت: ومعنى الحديث ثابتٌ في الكتاب والسنة.
(١) في "هـ"، والخرائطي "سطوة" وهما بمعنى واحد. والبيتان لعامر بن الطُّفيل في ديوانه ص (٥٨) مع اختلافٍ قليل في بعض الألفاظ.
(٢) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق رقم (١٨٨)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٩٩)، والبيهقي في البعث والنشور رقم (٤٧)، والخطيب في تاريخه (١٢/ ١٧٢ - ١٧٣). من طريق سوَّار بن عبد اللَّه القاضي عن الأصمعي به. وهي قصة صحيحة ثابتة.