الباب الثامن والستون: في ذكر آخر أهل الجنَّة دخولًا إليها
في "الصحيحين"١ من حديث منصور، عن إبراهيم عن عَبِيْدة عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إنِّي لأعلم آخر أهل النَّارِ خروجًا منها، وآخر أهل الجنَّة دخولًا الجنَّة، رجلٌ يخرج من النَّار حَبْوًا، فيقول اللَّهُ له: اذهب فادخل الجنَّة، فيأتيها فيخيل إليه٢ أنَّها ملأى فيرجع فيقول: يا ربِّ وجدتها ملأى، فيقول اللَّهُ له: اذهبْ فادخل الجنَّة، فإنَّ لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إنَّ لك عشرة أمثال الدنيا، قال: فيقول: أتسخرُ بي أو تضحك بي وأنت الملك؟ قال: لقد رأيتُ رسول اللَّهِ ﷺ ضحك حتَّى بدت نواجذه، قال: فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنَّة منزلةً".
وفي "صحيح مسلم"٣ من حديث الأعمش عن المعرور بن سُويد عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إنِّي لأعلمُ آخر أهل الجنَّة دخولًا الجنَّة، وآخر أهل النَّارِ خروجًا منها، رجلٌ يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغارَ ذنوبه وارفعوا كِبَارَهَا٤، فتُعْرَض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملتَ يوم كذا وكذا؛ كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا؛ كذا وكذا، فيقولُ: نعم، لا يستطيع أن ينكر
(١) البخاري رقم (٦٢٠٢)، ومسلم رقم (١٨٦).
(٢) في "ج، د": "له".
(٣) رقم (١٩٠).
(٤) في "ب، د، هـ": ونسخةٍ على حاشية "أ" "عنه كبارها".
وهو مشفقٌ من كبار ذنوبه أنْ تُعْرَض عليه، فيقال له: فإنَّ لكَ مكان كلُّ سيئةٍ حسنة، فيقول: ربِّ قد عملت أشياءَ لا أراها ها هنا، فلقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ ضَحِكَ حتَّى بدت نواجذه".
وقال الطبراني: حدثنا عبد اللَّه بن سعد١ بن يحيى الرقي، حدثنا أبو فروة يزيد بن محمَّد بن سِنَان الرهاوي قال: حدثني أبي عن أبيه قال: حدثني أبو يحيى الكلاعي، عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إنَّ آخر رجلٍ يدخلُ الجنَّة رجل يتقلَّب على الصراط ظَهْرًا لبطن، كالغلام يضربه أبوه وهو يفرُّ منه، يعجز عنه عمله أنْ يسعى، فيقول: يا رب بلِّغ بي الجنَّة، ونجِّني من النَّارِ، فيوحي اللَّه ﵎ إليه: عبدي إنْ أنا نجَّيتك من النَّارِ وأدخلتك الجنَّة؛ أتعترفُ لي بذنوبك وخطاياك؟ فيقول العبد: نعم يا ربِّ وعزتك وجلالك لئن نجيتني من النَّارِ لأعترفنَّ بذنوبي وخطاياي فيجُوْز الجِسْرَ، ويقول العبد فيما بينه وبين نفسه: لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النَّارِ، فيوحي اللَّه إليه: عبدي اعْترِفْ لي بذنوبك وخطاياك اغفرها لك وأدخلك الجنة، فيقول العبد لا وعزَّتك وجلالك ما أذنبتُ ذنبًا قطُّ ولا أخطأتُ خطيئةً قطُّ، فيوحي اللَّه إليه: عبدي إنَّ لي عليك بَيِّنة فيلتفت العبد يمينًا وشمالًا فلا يرى أحدًا، فيقول: يا ربِّ أرني بيِّنتك فيستنطق اللَّه جلده بالمُحقَّرات، فإذا رأى ذلك العبد يقول: يا رب عندي وعزَّتك العظائم فيوحي اللَّه إليه: عبدي أنا أعرف بها منك اعترف لي بها أغفرها لك، وأدخلك الجنَّة، فيعترف العبد بذنوبه