في "الصحيحين"١ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "احتجت النَّارُ والجنَّةُ فقالت هذه: يَدْخُلني الجبَّارون والمتكبِّرون، وقالت هذه: يدخلني الضعفاء والمساكين، فقال اللَّهُ ﷿ لهذه: أنت عذابي أعذِّبُ بك من أشاء، وقال لهذه: أنتِ رحمتي أرحمُ بك من أشاء، ولكلِّ واحدةٍ منكما ملؤها".
وفي رواية أخرى: "تحاجت النَّارُ والجنَّة، فقالت النَّار: أوثرتُ بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنَّة: فمالي لا يدخلني إلَّا ضعفاء النَّاس وسقطهم وعجزهم. فقال اللَّه سبحانه للجنَّة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنَّارِ: أنت عذابي أعذِّب بك من أشاء من عبادي، ولكلِّ واحدةٍ منكما ملؤها، فأمَّا النَّارُ فلا تمتلئ حتَّى يضع قَدَمَهُ عليها فتقول: قطْ قطْ، فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلمُ اللَّه من خلقه أحدًا، وأمَّا الجنَّة فإنَّ اللَّه ﷿ ينشئ لها خلقًا"٢.
= صفة الجنَّة رقم (٢١٩، ٢٢١). وسنده صحيح إلى الزهري.
(١) البخاري رقم (٤٥٦٩)، ومسلم رقم (٢٨٤٦)، والَّلفظ لمسلم.
(٢) البخاري رقم (٤٥٦٩)، ومسلم (٢٨٤٦).
فصل: في أنَّ الجنَّة يبقى فيها فضل فينشئ اللَّه لها خلقًا دون النَّار
في "الصحيحين"١ عن أنس بن مالك ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "لا تَزَال جهنَّم يُلقى فيها وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتَّى يضع ربُّ العزَّةِ فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قَطْ قَطْ بعزَّتك وكرمك، ولا يزال في الجنَّة فضلٌ حتَّى ينشئ اللَّه لها خلقًا، فيسكنهم الجنَّةِ".
وفي لفظ مسلم٢: "يبقى من الجنَّة ما شاء اللَّهُ أنْ يبقى، ثمَّ ينشئ اللَّه سبحانه لها خلقًا ممَّا يشاء".
وأمَّا الَّلفظُ الَّذي وقع في "صحيح البخاري"٣ في حديث أبي هريرة: "وأنَّه ينشئ للنَّار من يشاء، فيلقى فيها فتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ٣٠﴾[ق: ٣٠]؛ فغلط من بعض الرواة انقلب عليه لفظه، والروايات الصحيحة ونصُّ القرآن يردُّه، فإنَّ اللَّه سبحانه أخبر أنَّهُ يملأ جهنَّم من إبليس وأتباعه، وأنَّه لا يعذِّب إلَّا من قامت عليه حُجَّتُه، وكذَّب رُسُلَهُ، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ٨ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾[الملك: ٨ - ٩] ولا يظلم اللَّه أحدًا من خلقه.
(١) البخاري رقم (٦٩٤٩)، ومسلم رقم (٢٨٤٨).
(٢) رقم (٢٨٤٨) - (٣٩).
(٣) رقم (٧٠١١)، وقد تقدم بيان هذا الغلط ص (٧٥٤ - ٧٥٥).