حادي الأرواح

ذلك؛ إلا فيما كان من أحكام البالغين، ويكون قوله ﴿بِإِيمَانٍ﴾ على هذا في موضع نصب على الحال من المَفْعُولَيْن، أي: وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء.

قالوا: ويدل على صحة هذا القول: أنَّ البالغين١ لهم حكم أنفسهم في الثواب والعقاب، فإنَّهم مستقِلُّون بأنفسهم ليسوا تابعين الآباء في شيء من أحكام الدنيا، ولا أحكام الثواب والعقاب، لاستقلالهم بأنفسهم، ولو كان المراد بالذرية: البالغين؛ لكان أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم، ويكون أولاد التابعين البالغين كلهم في درجة آبائهم، وهلم جرًّا إلى يوم القيامة، فيكون الآخرون في درجة السابقين.

قالوا: ويدل عليه أيضًا، أنه سبحانه جعلهم معهم تبعًا في الدرجة، كما جعلهم تبعًا في الإيمان، ولو كانوا بالغين لم يكن إيمانهم تبعيًّا٢، بل إيمان استقلال.

قالوا: ويدل عليه أيضًا، أن اللَّه سبحانه جعل المنازل في الجنة بحسب الأعمال في حق المستقلين، وأما الأتباع فإن اللَّه سبحانه يرفعهم إلى درجة أهليهم، وإن لم تكن لهم أعمالهم، كما تقدم.

وأيضًا فالحور العين والخدم في درجة أهاليهم وإن لم يكن لهم عمل بخلاف المكلفين البالغين، فإنهم يرفعون إلى حيث بَلَّغتهم

  1. (١) في "أ، ج، هـ": "التابعين"، والمثبت هو الصواب.
  2. (٢) من قوله "في الدرجة" إلى هنا سقط من "ج".
807

أعمالهم.

* وقالت فرقة منهم الواحدي١: الوجْهُ أن تُحْمَلَ الذرية على الصغار والكبار؛ لأنَّ الكبير يتبع الأب بإيمان نفسه، والصغير يتبع الأب بإيمان الأب.

قالوا: والذرية تقع على الصغيرِ والكبير، والواحد والكثير، والابن والأب، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] أي: آباءهم، والإيمان يقع على الإيمان التبعي، وعلى الاختياري الكسبي، فمن وقوعه على التَّبعِي قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. فلو أعتق صغيرًا جاز.

قالوا: وأقوال السلف تدل على هذا. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: "إنَّ اللَّه يرفع ذُرِّية المؤمن في درجته وإنْ كانوا دونَهُ في العمل، لتقرَّ به عيونهم٢ ثمَّ قرأ هذه الآية"٣.

وقال ابن مسعود في هذه الآية: "الرجلُ يكون له القدم، وتكون له الذرية فيدخل الجنَّة، فيُرْفَعون إليه لتقرَّ به عينه، وإنْ لم يبلغوا

  1. (١) في تفسيره الوسيط (٤/ ١٨٦).
  2. (٢) قوله "به عيونهم" كذا في جميع النسخ، وعلَّق عليه ناسخ "أ" بقوله "كذا" على الحرفين.
    وجاء في مصادر التخريج "ليقرَّ اللَّه بهم عينه" هذا لفظ شعبة والثوري لكنَّه لم يذكر "اللَّه".
  3. (٣) تقدَّم الكلام عليه ص (٨٠٤).
808

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي