وقال أبو مِجْلَزٍ: "يجمعهم اللَّه له كما كان يحب أن يجتمعوا في الدنيا"٢.
وقال الشعبي: "أدخل اللَّه الذرية بعمل الآباء الجنَّة"٣.
وقال الكلبي عن ابن عباس: "إنْ كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع اللَّه الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع اللَّهُ الآباء إلى الأبناء"٤.
وقال إبراهيم: "أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا"٥.
قالوا: ويدلُّ على صِحَّة هذا القول أنَّ القراءتين كالآيتين، فمن قرأ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾[الطور: ٢١] فهذا في حقِّ البالغين الَّذين يصحُّ نِسْبَة الفعل إليهم كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾[التوبة: ١٠٠]، ومن قرأ: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه ابن المنذر في تفسيره كما في الدر المنثور (٦/ ١٤٨).
(٤) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٦٧)، وهو لا يثبت عن ابن عباس.
(٥) أخرجه هناد في الزهد رقم (١٨٠)، والطبري في تفسيره (٢٧/ ٢٦) والَّلفظ له. وسنده صحيح.
ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ فهذا في حقِّ الصغار الَّذين أَتْبَعَهُمُ اللَّه آباءهم في الإيمان حُكْمًا، فدلَّت القراءتان على النوعين.
قلتُ: واختصاص الذُّرية ها هنا بالصغار أظهر لئلا يلزم استواء المتأخرين والسابقين في الدرجات، ولا يلزم مثل هذا في الصِّغار؛ فإنَّ أطفال كلِّ رجلٍ وذرِّيته معه في درجته، واللَّه أعلم.
فصل: في أن الجنة تتكلم
قد تقدم قوله ﷺ: "احتجت الجنة والنار"١.
وقوله: "قالت الجنة: يا رب قد اطردت أنهاري، وطابت ثماري فعجِّل عليَّ بأهلي"٢.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن سعد الطائي: "أُخْبِرتُ أن اللَّه تعالى لما خلق الجنة قال لها: تزيَّني فتزيَّنَتْ، ثم قال لها: تكلمي، فتكلمت، فقالت: طوبى لمن رضيتَ عنه"٣.
وقال قتادة: "لما خلق اللَّه الجنة قال لها: تكلَّمي، فقالت: طوبى
(١) ص (٨٠٠).
(٢) تقدم ص (٤٢ - ٤٣).
(٣) أخرجه المروزي في زوائده على الزهد لابن المبارك رقم (١٥٢٤)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنَّة رقم (٣٨)، وأبو نعيم في صفة الجنَّة رقم (١٩) وغيرهم. وسنده صحيح.