ولم يهتد الفريقان إلى هذا القول الَّذي ذكرناهُ، وأنَّ اللَّه ﷾ يُنشئ من الأعراض أجسامًا يجعلها مادَّةً لها، كما في الصحيح عنه: "تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنَّهما غمامتان"١ الحديث.
فهذه هي القراءة ينشئها اللَّه سبحانه غمامتين.
وكذلك قوله في الحديث الآخر: "إِنَّ ما تذكرون من جلال اللَّه من تسبيحه وتمجيده٢ وتكبيره، وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهُنَّ دَوَيٌّ كدويِّ النَّحلِ، يُذَكِّرْنَ بصاحبهن"٣ ذكره أحمد.
(١) أخرجه مسلم برقم (٨٠٤).
(٢) في "ج"، ومصادر التخريج "وتحميده".
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٦٨ و٢٧١)، وابن ماجه رقم (٣٨٠٩)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (٢٩٤٠٦، ٣٥٠٢٧)، والطبراني في الدعاء رقم (١٦٩٣)، والبزار في مسنده (٨/ ١٩٩) رقم (٣٢٣٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٦٩) وغيرهم. من طريق موسى بن مسلم عن عون بن عبد اللَّه عن أخيه أو عن أبيه عن النعمان بن بشير فذكره. قال أبو نعيم: "غريب من حديث عون، تفرَّد به عنه موسى، وهو =
وكذلك قوله في حديث عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها: "فيقول: من أنتَ؟ فيقولُ: أنا عملك الصَّالح، وأنا عملك السيئ"١.
وهذا حقيقة لا خيال؛ ولكنَّ اللَّه سبحانه أنشأ له من عمله صورةً حسنةً، وصورة قبيحة، وهل النور الَّذي يُقْسَم بين المؤمنين يوم القيامة إلَّا نفس إيمانهم، أنشأ اللَّهُ سبحانه منه نورًا، يسعى بين أيديهم٢، فهذا أمرٌ معقولٌ لو لم يرد به النص، فورود النص به من باب تطابق السمع والعقل.
وقال سعيد عن قتادة: بلغنا أنَّ نبي اللَّه ﷺ قال: "إنَّ المؤمن إذا خرج من قبره صُوِّرَ له عمله في صورةٍ حسنةٍ وشارةٍ٣ حسنة، فيقول له: من أنتَ؟ فوالله إنِّي لأراك امرأ الصدق، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنَّة. وأمَّا الكافر إذا خرج من قبره، صُوِّر له عمله في صورة سيئة، وشارة سيئة، فيقول: ما أنت؟ فوالله إنِّي لأراك امرأ السوء، فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتَّى يدخله النَّار"٤.
وقال مجاهد: مثل ذلك٥.
= أبو عيسى موسى بن مسلم الطحان، يعرف بالصغير".
(١) تقدم في ص (١٤١ - ١٤٥)، وراجع ص (٣٣ - ٣٤).
(٢) يشير إلى آية الحديد (١٢)، وآية التحريم (٨).
(٣) في "ب، د": "إشارة"، وفي "ج": "وبشارة" في كلا الموضعين.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٨) وهو مرسل صحيح الإسناد.
(٥) أخرجه الطبري (١١/ ٨٩) بلفظ "يكون لهم نورًا يمشون به". وهو صحيح عن مجاهد.