حادي الأرواح

وكذلك قوله في حديث عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها: "فيقول: من أنتَ؟ فيقولُ: أنا عملك الصَّالح، وأنا عملك السيئ"١.

وهذا حقيقة لا خيال؛ ولكنَّ اللَّه سبحانه أنشأ له من عمله صورةً حسنةً، وصورة قبيحة، وهل النور الَّذي يُقْسَم بين المؤمنين يوم القيامة إلَّا نفس إيمانهم، أنشأ اللَّهُ سبحانه منه نورًا، يسعى بين أيديهم٢، فهذا أمرٌ معقولٌ لو لم يرد به النص، فورود النص به من باب تطابق السمع والعقل.

وقال سعيد عن قتادة: بلغنا أنَّ نبي اللَّه ﷺ قال: "إنَّ المؤمن إذا خرج من قبره صُوِّرَ له عمله في صورةٍ حسنةٍ وشارةٍ٣ حسنة، فيقول له: من أنتَ؟ فوالله إنِّي لأراك امرأ الصدق، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنَّة. وأمَّا الكافر إذا خرج من قبره، صُوِّر له عمله في صورة سيئة، وشارة سيئة، فيقول: ما أنت؟ فوالله إنِّي لأراك امرأ السوء، فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتَّى يدخله النَّار"٤.

وقال مجاهد: مثل ذلك٥.

  1. = أبو عيسى موسى بن مسلم الطحان، يعرف بالصغير".
  2. (١) تقدم في ص (١٤١ - ١٤٥)، وراجع ص (٣٣ - ٣٤).
  3. (٢) يشير إلى آية الحديد (١٢)، وآية التحريم (٨).
  4. (٣) في "ب، د": "إشارة"، وفي "ج": "وبشارة" في كلا الموضعين.
  5. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٨) وهو مرسل صحيح الإسناد.
  6. (٥) أخرجه الطبري (١١/ ٨٩) بلفظ "يكون لهم نورًا يمشون به".
    وهو صحيح عن مجاهد.
817

وقال ابن جُريج: "يُمَثَّلُ له عمله في صورة حسنة، وريح طيبة، يعارض صاحبه ويبشره بكلِّ خيرٍ، فيقول له: من أنتَ؟ فيقول: أنا عملك، فيجعل له نورًا بين يديه حتَّى يدخله الجنَّة فذلك قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، والكافرُ يُمَثَّلُ له عمله في صورةٍ سيِّئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويُلادُّهُ١ حتَّى يقذفه في النَّارِ"٢.

وقال ابن المبارك: حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن أنَّه ذكر هذه الآية: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩﴾ [الصافات: ٥٨ - ٥٩] قال: "علموا أنَّ كلَّ نعيمٍ بعده الموتُ أنَّه يقطعه، فقالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩﴾ قيل: لا، قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ٦٠﴾ "٣.

وكان يزيد الرَّقاشي يقول في كلامه: "أَمِنَ أهلُ الجنَّة من الموتِ، فطابَ لهم العيش، وأمِنُوا من الأسقامِ، فهُنا هم في جوار اللَّهِ طول٤ المقام، ثمَّ يبكي حتَّى تجري دموعه على لحيته"٥.

  1. (١) كذا في جميع النسخ ومعناهُ السَّير بجانبه، انظر: اللسان (٣/ ٣٩٠)، ووقع عند الطبري (١٥/ ٢٨ - ط/ شاكر) "ويلازُّهُ" بالزَّاي المشدَّدة، وهي بمعنى المقارنة والملازمة.
  2. (٢) أخرجه الطبري (١١/ ٨٩).
  3. (٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد -رواية نُعيم- رقم (٢٧٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٥٢١ - الدر المنثور).
    وسنده صحيح.
  4. (٤) ليس في "ب".
  5. (٥) ذكره المزي في تهذيب الكمال (٣٢/ ٧٣).
818

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي