وقال حفص بن سليمان: حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة عن أبيه، عن طلحة بن عبيد اللَّه قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن تفسير "سبحان اللَّه"؟ فقال: "هو تنزيه اللَّه ﷿ عن كلِّ سوءٍ".
فأخبر تعالى عن أوَّل دعواهم إذا استدعوا شيئًا: قالوا: سبحان اللَّه، وعن آخر دعواهم عندما يحصل لهم، وهو قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومعنى الآية أعمُّ من ذلك، والدعوى: مثل الدعاء، والدعاءُ يرادُ به الثناء، ويراد به المسألة.
وفي الحديث: "أفضلُ الدُّعاء الحمدُ للَّه"١.
(١) أخرجه الترمذي برقم (٣٣٨٣)، وابن ماجه رقم (٣٨٠٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٣١)، وابن حبان (٣/ ١٢٦) رقم (٨٤٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٧٦) رقم (١٨٣٤) وغيرهم. من طريق موسى بن إبراهيم الأنصاري عن طلحة بن خراش عن جابر بن عبد اللَّه بمثله وأوَّله "أفضل الذِّكر لا إله إلَّا اللَّه". والحديث مدارهُ على موسى بن إبراهيم الأنصاري روى عنه جمع، وقال ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٤٩): "كان ممَّن يخطئ". وقد وقع في الحديث اضطراب في سنده "حيث جاء موقوفًا على جابر"، وفي متنه حيث جاء "أفضل الدعاء لا إله إلَّا اللَّه، وأفضل الذكر الحمد للَّه". والحديث صححه ابن حبان والحاكم وحسنه ابن حجر، وقال الترمذي "حسنٌ غريب، لا يُعرف إلَّا من حديث موسى بن إبراهيم". قال الحافظ ابن حجر: ". . . ولم أقف في موسى على جرح ولا تعديل، إلَّا أنَّ ابن حبان ذكره في الثقات وقال: "يخطئ"، وهذا عجيبٌ منه؛ لأنَّ =
فالدعاء ها هنا: دُعاءُ ثناءٍ يُلْهَمَه أهل الجنَّة، فأخبر سبحانه عن أوَّله وآخره، فأوَّله تسبيحٌ، وآخره حمدٌ يُلْهمونهما١ كما يُلْهَم النَّفَس.
وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ التكاليف في الجنَّة تسقط عنهم، ولا تبقى عبادتهم إلا هذه الدعوى التي يُلْهَمُونها.
وفي لفظة "اللهم" إشارة إلى صريح الدعاء، فإنَّها متضمنةٌ لمعنى: "يا اللَّه"، فهي متضمنة للسؤال والثناء٢، وهذا هو الذي فهمه من قال: إذا أرادوا الشيء قالوا: سبحانك اللهم. فذكروا بعض المعنى ولم يَسْتَوْفُوه، مع أنَّهم قصروا به، فإنهم أوهموا أنهم إنَّما يقولون ذلك عندما يريدون الشيء، وليس في الآية ما يدلُّ على ذلك، بل يدلُّ على أنَّ أوَّل دعائهم التسبيح، وآخره الحمد.
وقد دلَّ٣ الحديث الصحيح٤ على أنهم يلهمون ذلك كإلهام النَّفَسِ، فلا تختص الدعوى المذكورة بوقتِ إرادة الشيء، وهذا
= موسى مُقِلٌّ، فإذا كان يخطئ مع قِلَّة روايته؛ فكيف يوثَّق ويصحَّح حديثه، فلعلَّ من صححه أو حسَّنه تسمَّح لكون الحديث من فضائل الأعمال". نتائج الأفكار (١/ ٥٨ - ٥٩). وانظر في معنى حديث جابر: التمهيد لابن عبد البر (٦/ ٤٣ - ٤٥).