وكان لعلماء المسلمين مناقشات لمذاهب النصارى، وجدال معهم ومع اليهود، كما تقدم، فتركوا لنا تراثًا ضخمًا في هذا المجال يتمثل فيما كتبه أئمة أعلام نقدًا وردًا، فقد نقدوا ما عند القوم من تحريف وتغيير وتبديل، وبيَّنوا ذلك أحسن بيان، وردُّوا على الشبهات التي أثاروها حول القرآن والنبي ﷺ ودين الإسلام، وأقاموا عليهم الحجة، وتباينت مناهجهم وأساليبهم في ذلك. وحسبنا أن نشير هنا إشارات موجزة إلى تلك الجهود في الجدال مع اليهود والنصارى، والرد على كتبهم وتحريفهم وما يتصل بذلك من بيان فضل الإسلام وخصائصه عند المقارنة والموازنة١. وذلك بعرض سريع لأهم الأعلام الذين كتبوا في ذلك ومؤلفاتهم منذ العصور الأول إلى عصرنا الحاضر.
أ - ومن أوائل الكتب والرسائل في ذلك من المصادر القديمة:
١ - "رسالة الهاشمي إلى الكندي"، يدعوه فيها إلى الإسلام. وقد نشرت لأول مرة في لندن عام ١٨٨٠ م بعناية أ. تيان. ثم أعيد نشرها أيضًا سنة ١٨٨٥ وسنة ١٩١٢ م، كما نشرت في القاهرة مرتين عام ١٨٩٥ م
(١) كانت المجادلات من الجانب الإسلامي في العادة تسمى "ردًّا على النصارى" مثلًا، وليس معنى ذلك أن هؤلاء قد هاجموا الإسلام بالضرورة فانبرى المسلمون للردّ عليهم. وإنما هو فنّ "كلامي" قد يندرج ضمن باب التوحيد في المؤلفات العقدية عمومًا، وقد تخصص له كتب أو رسائل مفردة. والغرض في كلتا الحالتين: دحض عقائد النصارى. وكثيرًا ما يكون موجهًا إلى المسلمين في الدرجة الأولى لتثبيت عقيدتهم وتحذيرهم من ضلال النصارى وتضليلهم، وإن احتوى على الدعوة إلى اعتناق الإسلام. وقد تكون بعض هذه المؤلفات أيضًا ردًّا على هجوم النصارى أو اليهود. انظر: "الفكر الإسلامي في الرد على النصارى"، د. عبد المجيد الشرفي ص (١٤).
و١٩١٢. واحتوت هذه الطبعات كلها بالإضافة إلى رسالة الهاشمي على رسالة الكندي إلى الهاشمي يرد بها عليه ويدعوه إلى النصرانية. ولا نعرف اسم المؤلفين إلا من خلال ما ذكره البيروني في "الآثار الباقية" ويفيد أنهما: عبد الله بن إسماعيل الهاشمي، وعبد المسيح بن إسحاق الكندي.
٢ - "الدِّين والدولة في إثبات نبوة النبي محمد ﷺ" لعلي بن ربّن الطبري (توفي بعد ١٨٥٥)، وهو أبو الحسن علي بن سهل بن ربّن الطبري، أسلم على يد المعتصم، وكتابه هذا أول كتاب وصلنا في الجدل الإسلامي المسيحي من تأليف نصراني نسطوري أسلم، وطبع الكتاب سنة ١٣٢٢ هـ في مطبعة المقتطف بمصر، ثم نشر أيضًا في تونس مصورًا عن طبعة أوربية. وصدرت طبعة أخرى في بيروت ١٣٩٣ هـ بتحقيق عادل نويهض. وتكررت طباعته بعد ذلك.
٣ - "الرد على النصارى" لترجمان الدين القاسم بن إبراهيم الحسني الرسّي (توفي نحو ٢٤٦ هـ) وهو مؤسس مذهب القاسمية في الفقه ومن دعائم المدرسة الزيدية الشيعية. ونشر هذا الرد في مجلة الدراسات الشرقية في روما، سنة ١٩٢١ م، حققه أ. دي ميتو. وترجمه إلى الإيطالية.
٤ - "مقالة في الرد على النصارى" كتبها أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق الكندي (توفي سنة ٢٥٢ هـ) وصل منها مقتطفات أثبتها يحيى بن عدي ليرد عليها. وقد نشرها أ. بيريني سنة ١٩٢٠ م في مجلة الشرق المسيحي في أربع صفحات.
٥ - "الرد على النصارى" للجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (توفي ٢٥٥ هـ) وهي رسالة نشرها يوشع فنكل ضمن (ثلاث رسائل للجاحظ)، القاهرة، ١٣٢٨ هـ، وأعيد طبعها سنة ١٣٣٢ هـ، ونشرها عبد السلام