هداية الحيارى

بدخولِ هذه الأمم في دينه (وتَصديقِهم برسالته، وبقي مَنْ لم يدخلْ منهم في دينه، وهم من كلِّ أمةٍ أقلُّها)١. وأين يقع النصارى المكذِّبون برسالته اليومَ من أمة النصرانيَّةِ الذين كانوا قبله؟!

وكذلك اليهودُ والمجوسُ والصَّابِئَةُ؛ لا نسبة للمكذِّبين برسالتهِ بعد بَعْثِهِ إلى جملة تلك الأمة قبل بَعْثهِ.

وقد أخبر -تعالى- عن الأمم التي أطبقت على تكذيب الرسل ودمَّرها الله -تعالى- فقال تعالى:

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤].

فأخبر عن هؤلاء الأمم أنهم تطابقوا على تكذيب رسلهم وأنه عمَّهم بالإهلاك.

وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ٥٢ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣].

ومعلوم قطعًا أنَّ الله -تعالى- لم يهلك هذه الأُممَ الكثيرةَ إلا بعد ما تبيَّن لهم الهدى، فاختاروا عليه الكفْرَ، ولو لم يتبيَّنْ لهمُ الهدى لم يُهْلِكْهُمْ، كما قال تعالى:

﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].

وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا

  1. (١) ساقط من "ب".
35

آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].

أي فلم يكن قريةٌ آمنت فنفعها إيمانُها إلَّا قوم يونس.

ومعلوم قطعًا أنَّه لم يُصَدَّقْ نبيٌّ من الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، ولم يتبعه من الأُمم ما صُدِّقَ محمدُ بنُ عبدِ الله ﷺ. والذين اتَّبعوه من الأمم أضعاف١ هاتين الأمتين المكذِّبتين مما لا يحصيهم (إلا الله)٢، ولا يستريب من له مُسْكة من عقل أنَّ الضلال٣ والجهل والغيَّ وفساد العقل إلى من خالفه وجحد نبوته أقرب منه إلى أتباعه ومَنْ أقرَّ بنبوته.

وحينئذ فيقال: كيف جاز على هؤلاء الأمم -التي لا يحصيهم٤ إلا الله الذين قد بلغوا مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف طبائعهم وأغراضهم وتباين مقاصدهم- الإطباقُ على اتِّباع من يكذب على الله (وعلى رسله، و)٥ على العقل، ويحلُّ ما حرَّمَ الله (ورسُلُه، ويحرِّم ما أحلَّه الله ورسلُه.

ومعلوم أنَّ الكاذب على الله)٦ في دعوى الرسالة٧ هو شَرُّ خلقِ الله وأفْجَرُهم٨ وأظلمهم وأكذبهم.

  1. (١) في "ج": "أضعاف أضعاف".
  2. (٢) ساقط من "ج".
  3. (٣) في "غ": "الفساد".
  4. (٤) في "غ": "يحصيها". وجاءت العبارة هكذا في جميع النسخ: "التي لا … ".
  5. (٥) في "غ": "بلا وقوف".
  6. (٦) ساقط من "غ".
  7. (٧) ساقط من "غ".
  8. (٨) في "غ": "وفاجرهم".
36

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي