هداية الحيارى

آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].

أي فلم يكن قريةٌ آمنت فنفعها إيمانُها إلَّا قوم يونس.

ومعلوم قطعًا أنَّه لم يُصَدَّقْ نبيٌّ من الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، ولم يتبعه من الأُمم ما صُدِّقَ محمدُ بنُ عبدِ الله ﷺ. والذين اتَّبعوه من الأمم أضعاف١ هاتين الأمتين المكذِّبتين مما لا يحصيهم (إلا الله)٢، ولا يستريب من له مُسْكة من عقل أنَّ الضلال٣ والجهل والغيَّ وفساد العقل إلى من خالفه وجحد نبوته أقرب منه إلى أتباعه ومَنْ أقرَّ بنبوته.

وحينئذ فيقال: كيف جاز على هؤلاء الأمم -التي لا يحصيهم٤ إلا الله الذين قد بلغوا مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف طبائعهم وأغراضهم وتباين مقاصدهم- الإطباقُ على اتِّباع من يكذب على الله (وعلى رسله، و)٥ على العقل، ويحلُّ ما حرَّمَ الله (ورسُلُه، ويحرِّم ما أحلَّه الله ورسلُه.

ومعلوم أنَّ الكاذب على الله)٦ في دعوى الرسالة٧ هو شَرُّ خلقِ الله وأفْجَرُهم٨ وأظلمهم وأكذبهم.

  1. (١) في "ج": "أضعاف أضعاف".
  2. (٢) ساقط من "ج".
  3. (٣) في "غ": "الفساد".
  4. (٤) في "غ": "يحصيها". وجاءت العبارة هكذا في جميع النسخ: "التي لا … ".
  5. (٥) في "غ": "بلا وقوف".
  6. (٦) ساقط من "غ".
  7. (٧) ساقط من "غ".
  8. (٨) في "غ": "وفاجرهم".
36

ولا يشكُّ مَنْ له أدنى عقلٍ أن إطباقَ أكثر الأمم على متابعة هذا النبيِّ محمدٍ ﷺ، وخروجَهم عن ديارهم وأموالهم، ومعاداتهم آباءهم وأبناءهم وعشائرهم في متابعته، وبذلهم نفوسهم بين يديه = من أمحل المحال، فتجويز اختيارِهم الكُفْرَ بعد تَبَيُّنِ الهدى على شرذمة قليلة حقيرة لها أغراض عديدة من هاتين الأمتين أوْلى من تجويز ذلك على المسلمين الذين طبقوا مشارق الأرض ومغاربها، وهم أَعْقَلُ الأمم وأكملُها١ في جميع خصال الفضل.

وأين عقول عُبَّادِ العجل وعُبَّاد الصَّليب الذين أضحكوا سائر العقلاء على عقولهم ودلُّوهم على مبلغها بما قالوه في معبودهم من عقول المسلمين؟!!.

وإذا جاز اتِّفاقُ أمةٍ -فيها من قد ذكره هذا السائل- على أنَّ ربَّ العالمين وخالقَ السمواتِ والأَرَضِيْن نزل عن عرشه وكرسيِّ عظمتِه ودخل في بطن امرأةٍ في محل الحيض والطمث عِدَّةَ شهور ثم خرج من فرجها٢ طفلًا يمصُّ الثدي ويبكي، ويكبر شيئًا فشيئًا، ويأكل ويشرب ويبول، ويصحُّ٣ ويمرض، ويفرح ويحزن، ويَلَذُّ ويألم، ثم دبَّر حيلةً على عدوه إبليس بأنْ مكَّن أعداءَه اليهود من نفسه، فأمسكوه وساقوه إلى خشبتين يصلبونه عليهما، وهم يجرُّونه إلى الصلب، والأَوباشُ والأرذال٤ قدَّامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره، وهو يستغيث ويبكي

  1. (١) في "غ": "أعقلها".
  2. (٢) في "غ": "خرجها".
  3. (٣) في "ب، ج": "يصيح".
  4. (٤) في "غ": "الأراذل".
37

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي