هداية الحيارى

ولا يشكُّ مَنْ له أدنى عقلٍ أن إطباقَ أكثر الأمم على متابعة هذا النبيِّ محمدٍ ﷺ، وخروجَهم عن ديارهم وأموالهم، ومعاداتهم آباءهم وأبناءهم وعشائرهم في متابعته، وبذلهم نفوسهم بين يديه = من أمحل المحال، فتجويز اختيارِهم الكُفْرَ بعد تَبَيُّنِ الهدى على شرذمة قليلة حقيرة لها أغراض عديدة من هاتين الأمتين أوْلى من تجويز ذلك على المسلمين الذين طبقوا مشارق الأرض ومغاربها، وهم أَعْقَلُ الأمم وأكملُها١ في جميع خصال الفضل.

وأين عقول عُبَّادِ العجل وعُبَّاد الصَّليب الذين أضحكوا سائر العقلاء على عقولهم ودلُّوهم على مبلغها بما قالوه في معبودهم من عقول المسلمين؟!!.

وإذا جاز اتِّفاقُ أمةٍ -فيها من قد ذكره هذا السائل- على أنَّ ربَّ العالمين وخالقَ السمواتِ والأَرَضِيْن نزل عن عرشه وكرسيِّ عظمتِه ودخل في بطن امرأةٍ في محل الحيض والطمث عِدَّةَ شهور ثم خرج من فرجها٢ طفلًا يمصُّ الثدي ويبكي، ويكبر شيئًا فشيئًا، ويأكل ويشرب ويبول، ويصحُّ٣ ويمرض، ويفرح ويحزن، ويَلَذُّ ويألم، ثم دبَّر حيلةً على عدوه إبليس بأنْ مكَّن أعداءَه اليهود من نفسه، فأمسكوه وساقوه إلى خشبتين يصلبونه عليهما، وهم يجرُّونه إلى الصلب، والأَوباشُ والأرذال٤ قدَّامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره، وهو يستغيث ويبكي

  1. (١) في "غ": "أعقلها".
  2. (٢) في "غ": "خرجها".
  3. (٣) في "ب، ج": "يصيح".
  4. (٤) في "غ": "الأراذل".
37

فقرَّبوه١ من الخشبتين، ثم توَّجُوه بتاج من الشوك، وأوجعوه٢ صفعًا، ثم حملوه على الصليب وسَمَرُوا يديه ورِجْليْه وجعلوه بين لصين٣، وهو الذي اختار هذا كلَّه لتتمَّ له الحيلة على إبليس ليخلِّص آدم وسائر الأنبياء من سجنه، ففداهم بنفسه حتى خلصوا من سجن إبليس.

وإذا جاز اتِّفاقُ هذه الأُمةِ -وفيهم الأحبار والرُّهْبَان والقِسِّيسُون والزُهَّاد والعُبَّاد والفقهاء ومن ذكرتم- على هذا القول في معبودهم وإلهِهِم حتى قال قائلٌ منهم وهو من أكابرهم عندهم: "اليد التي٤ خلقت آدم هي التي باشرت المسامير ونالت الصَّلْب"، فكيف لا يجوز عليهم الاتِّفاقُ على تكذيب مَنْ جاء بتكفيرهم وتضليلهم، ونادى سرًّا وجهرًا بكَذِبِهِمْ على الله وشَتْمِهمْ له أقْبَحَ شتمٍ، وكذبهم على المسيح، وتبديلهَم دينه، وعادَاهمِ وقاتَلَهم، وبرَّأهم من المسيح وبرَّأه منهم، وأخبر أنهم وَقُودُ النَّار وحصَبُ جهنَّم، فهذا أحد الأسباب التي اختاروا لأجلها الكُفْرَ على الإيمان. وهو من أعظم الأسباب!

فقولكم: إنَّ المسلمين يقولون إنهم لم يمنعْهُمْ من الدخول في الإسلام إلا الرِّيَاسة والمأكلة لا غير = كذبٌ على المسلمين.

بل الرياسة والمأكلة من جملة الأسباب المانعة لهم من الدخول في الدين.

  1. (١) في "ص، غ": "فقدموه".
  2. (٢) في "ج": "صفعوه".
  3. (٣) إشارة إلى ما جاء في إنجيل متى: إصحاح (٢٧): أن اليهود صلبوه ومعه لصَّان واحد عن يمين وواحد عن يسار. وانظر فيما سيأتي ص (٢٥٢).
  4. (٤) في "غ": "الذي".
38

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي