هداية الحيارى

وقد نَاظَرْنَا١ -نحن وغيرُنَا- جماعةً منهم، فلما تبين لبعضهم فَسَادُ ما هم عليه قالوا: لو دخلنا في الإسلام لَكُنَّا من أقلِّ المسلمين لا يُؤْبَهُ لنا، ونحن مُتَحَكِّمون في أهل ملَّتِنا، في أموالهم ومناصبهم، ولنا بينهم أعظم الجاه!

وهل مَنَعَ فرعونَ وقومَهُ من اتِّباع موسى إلا ذلك؟!.

والأسباب المانعة من قَبُول٢ الحقِّ كثيرة جدًّا.

فمنها: الجهل به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئًا عاداه وعادى أهله.

فإِنِ انْضَافَ إلى هذا السبب بُغْضُ مَنْ أَمَرَهُ بالحقِّ ومُعاداتُهُ له وحَسَدُهُ كان المانع من القَبُول أقوى.

فإنِ انْضَاف إلى ذلك إِلْفُهُ وعادتُه ومَرْبَاهُ على ما كان عليه آباؤه ومن يحبُّه ويعظِّمه: قَوِيَ المانعُ.

فإنِ انْضافَ إلى ذلك توهُّمُه أنَّ الحقَّ الذي دُعِيَ إليه يحول بينه وبين جاههِ وعزهِ وشهواتِه وأغراضهِ: قويَ المانعُ من القَبول جدًّا.

فإنِ انْضَاف إلى ذلك خوفُه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه، كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله ﷺ = ازداد المانع من قَبُول الحقِّ قوةً، فإنَّ هِرَقْلَ عرف الحقَّ وهَمَّ

  1. (١) في "غ": "ناظر".
  2. (٢) في "ب": "قبل" وفي "ج": "قول".
39

بالدخول في الإسلام فلم يُطَاوِعْهُ قومُه، وخافَهمْ١ على نفسه فاختار الكفر على الإسلام بعد ما تبيَّن له الهدى، كما سيأتي ذكر قصته إن شاء الله تعالى٢.

ومِنْ أعظم هذه الأسباب: الحَسَدُ؛ فإنه داءٌ كامنٌ في النَّفْسِ، ويرى الحاسدُ المحسودَ قد فُضِّل عليه، وأُوْتِيَ ما لم يُؤْتَ نظيرُهُ فلا يَدَعُهُ الحَسَدُ أن ينقاد له ويكونَ من أتباعه.

وهل مَنَعَ إبليسَ من السجود لآدم إلا الحَسَدُ؟! فإنَّه لما رآه قد فُضِّل عليه ورُفِعَ فوقه غَصَّ بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة.

وهذا الدَّاء هو الذي منع اليهودَ من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا عِلْمًا لا شَكَّ فيه أنَّه رسولُ الله جاء بالبيِّنات والهدى؛ فحَمَلَهُمُ الحَسَدُ على أنِ اختارُوا الكُفْرَ على الإيمان، وأطبقُوا عليه، وهُمْ أمةٌ فيهم الأحبارُ والعلماء والزهَّاد والقُضَاة والملوك والأُمراء.

هذا؛ وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعةٍ٣ تخالفها، ولم يُقاتِلْهُمْ، وإنما أتى بتحليل بعض ما حُرِّمَ٤ عليهم تخفيفًا ورحمةً وإحسانًا، وجاء مكمِّلًا لشريعةِ التوراة، ومع هذا فاختاروا كلُّهم الكفرَ على الإيمان.

  1. (١) في "غ": "خالفهم".
  2. (٢) انظر فيما سيأتي ص (٧٦) وما بعدها.
  3. (٣) في "ج": "بشرعة".
  4. (٤) في "ج": "ما حرم الله .. ".
40

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي