فكيف يكون حالُهم مع نبيٍّ جاء بشريعةٍ مستقلَّةٍ ناسخةٍ لجميع الشرائع، مُبَكِّتًا لهم بقبائحهم، ومناديًا على فضائحهم، ومُخْرِجًا لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه، وهو في ذلك كلِّه يُنْصَرُ عليهم ويَظْفَرُ بهم، ويعلُو١ هو وأصحابُه، وهم معه دائمًا في سَفَالٍ.
فكيف لا يملك الحسدُ والبغيُ قلوبَهُمْ؟! وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى!
وهذا السبب -وحده- كافٍ في ردِّ الحق؛ فكيف إذا انْضَاف إليه زَوَالُ الرِّياسَاتِ والمَآكلِ كما تقدَّم؟!
وقد قال المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ -وهو ابن أخت أبي جهل- لأبي جهل: يا خالي هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال! يا ابن أختي! والله لقد كان٢ محمد فينا وهو شاب يُدْعى الأمين، فما جرَّبنا عليه كذبًا قط. قال: يا خال! فما لكم لا تَتَّبعُونَهُ؟! قال: يا ابن أختي تنَازَعْنَا نحن وبنو هاشمٍ الشَّرَفَ، فأطعَمُوَا وأطعَمْنَا، وسَقَوا وسَقَيْنَا، وأجَارُوا وأَجَرْنَا، حتى إذا تجاثينا على الرُّكَب وكُنَّا كَفَرَسَي رِهَانٍ قالوا: مِنَّا نبيٌّ. فمتى نُدْرِك مثلَ هذه!!
وقال الأَخْنَسُ بن شريق يوم بدر لأَبي جهل: يا أبا الحكم! أخْبِرْني عن محمدٍ: أصادقٌ هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش أحدٌ غيري وغيرك يسمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك! والله إنَّ محمدًا لصادق، وما كَذَبَ محمدٌ قَطُّ، ولكن إذا ذهبتْ بنو قُصَيّ باللواء والحجابةِ
(١) في "ب، ج": "يعلم".
(٢) في "ب، ج": "كان فينا".
والسقايةِ والنبوَّةِ فماذا يكون لسائر قريش١؟!.
وأما اليهود؛ فقد كان علماؤهم يعرفونه٢ كما يعرفون أبناءهم، قال ابن إسحاق٣ حدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بنِ قتادةَ عن شيخٍ من بني قُرَيْظَةَ. قال: هل تدري عمَّ كان إسلام أسدٍ وثعلبةَ ابْنَي سَعْيَةَ، وأسد بن عُبَيْد؟ -لم يكونوا من بني قُريظةَ ولا النَّضير، كانوا فوق ذلك-، فقلت: لا. قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهَيَّبَان فأقام عندنا. والله ما رأينا (رجلًا يصلي)٤ خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنتين، فكنا إذا قَحِطْنَا وقلَّ علينا المَطَرُ نقول: يا ابن الهَيَّبان اخْرُجْ فاسْتَسْقِ لنا، فيقول: لا والله حتى تُقَدِّموا أمام مَخْرَجِكم صدقةً، فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مُدَّيْن من شعير. فنخرجُه، ثم يخرج إلى ظاهر حَرَّتِنا ونحن معه نستسقي. فوالله ما يقوم من مجلسه حتى يمرّ السحابُ ونُسْقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة.
فحَضرَتْهُ الوفاة واجتمَعْنَا إليه، فقال: يا معشرَ يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟