قالوا: أنت أعلم! قال: فإني إنما خرجت أتوقَّعُ خروجَ نبيٍّ قد أظل زمانُه، هذه البلاد مُهَاجَرهُ. فاتَّبعُوه ولا يسبقنَّ إليه غيرُكم إذا خرج يا معشر اليهود؛ فإنه يبعث بسَفكَ الدِّماء وسَبْي الذَّرَارِي والنساء مِمَّنْ يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.
فلما كانت الليلة التي فُتِحَتْ فيها قريظةُ، قال أولئك الثلاثةُ الفِتْيَةُ -وكانوا شبانًا أحداثًا-: يا معشر اليهود، واللهِ إنَّه للذي ذكر لكم ابنُ الهَيَّبَان، فقالوا: ما هو به. قالوا: بلى والله، إنه لصفته١، ثم نزلوا وأسلموا وخلَّوا٢ أموالهم وأهليهم٣.
قال ابن إسحاق: وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فُتِحَ رُدَّتْ عليهم٤.
وقال ابن إسحاق: حدَّثني صالحُ بنُ إبراهيم بنِ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ عن محمودِ بنِ لَبيْد٥، قال كان بين أبياتنا٦ يهوديٌّ، فخرج على نادي قومه بني عبد الأَشْهَل ذات غداةٍ، فذَكَرَ البعثَ والقيامةَ والجنَّةَ والنَّار والحسابَ والميزان، فقالَ ذلكَ لأصحاب وثنٍ، لا يَرَوْنَ أنَّ بعثًا كائنٌ٧ بعد الموت؛ وذلك قُبَيْلَ مبعث النبيِّ ﷺ.
(١) في السيرة: "لهو بصفته".
(٢) في السيرة: "أحرزوا".
(٣) أخرجه ابن إسحاق في "السيرة": (١/ ٢١٣).
(٤) المصدر نفسه.
(٥) في السيرة: "عن محمود بن لبيد عن سلمة بن وقش قال … ".
(٦) في "ب، ج، غ": "أبنائنا".
(٧) في "غ": "كائنًا".
فقالوا: ويحك يا فلان! وهذا كائن أنَّ الناس يُبْعَثُونَ بعد موتهم إلى دارٍ فيها جنَّةٌ ونارٌ يُجْزَوْنَ بأعمالهم؟!
قال: نعم، والذي يُحْلَف به لوددت أَنَّ حَظِّي من تلك النار أن توقدوا أعظم تَنُّورٍ في داركم فتحمونه ثم تقذفوني فيه، ثم تطبقون عليَّ، وأَنِّي أنجو من النار غدًا.
فقيل: يا فلان! ما علامة ذلك؟
قال: نبيٌّ يُبْعَثُ من ناحيةِ هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكةَ واليمن.
قالوا: فمتى نراه؟ فرمى بطَرْفِهِ فرآني -وأنا مضطجع بفناء باب أهلي، وأنا أَحْدَثُ القوم- فقال: إنْ يَسْتنفِد هذا الغلام عُمرَهُ يُدْرِكْهُ. فما ذهب الليل والنهار حتى بعث اللهُ رسولَه ﷺ وإنه لحيٌّ بين أَظْهُرِنَا، فآمنَّا به وصدَّقْنَاه، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: يا فلان ألستَ الذي قلتَ ما قلتَ وأخبرتنَا به؟! قال: ليس به١.
قال ابن إسحاق: وحدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بن قَتَادةَ قال: حدَّثني أشْيَاخٌ منّا، قالوا: لم يكن أحدٌ من العرب أعلمَ بشأنَ رسول الله ﷺ منَّا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنَّا أصحابَ وَثَنٍ، وكنَّا إذا بَلَغْنَا منهم ما يكرهون قالوا: إنَّ نبيًّا مبعوثًا الآن، قد أظلَّ زمانُه، نتبعه فنقتلكم٢ قَتْلَ عاد وإرم، فلما بعث الله ﷿ رسوله ﷺ اتَّبَعْنَاه،
(١) "السيرة النبوية" لابن هشام: (١/ ٢١٣)، وأخرجه الإمام أحمد في "المسند": (٣/ ٤٦٧)، والحاكم: (٣/ ٤١٧)، وأبو نعيم في "الدلائل": (١/ ٧٤ - ٧٥). وانظر: "مجمع الزوائد": (٨/ ٢٣٠).