عمرو بن سعد١ فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها، ففكَر ثم رجع إلى بني قُرَيْظَةَ فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بُوْقِهِم فاجتمعوا، فقال الزُّبَيْرُ بنُ بَاطَا: يا أبا سعيد أين كنتَ منذ اليوم فلم نَرَكَ؟ -وكان لا يفارقُ الكنيسة وكان يَتَألَّهُ في اليهودية- قال: رأيت اليوم عِبَرًا اعتبرنا بها، رأيت إخواننا قد جلوا بعد ذلك العزِّ والجَلَد والشَّرَف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم ومَلَكَها غيرُهم، وخرجوا خروجَ ذلٍّ، ولا -والتوراة- ما سُلِّط هذا على قوم قَطُّ لله بهم حاجة.
وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشْرَفِ (في عزة بنيانه)٢ في بيته آمنًا، وأوقع بابن سُنَيْنَةَ، سيِّدِهم، وأوقع ببني قَيْنُقَاع فأجلاهم٣ وهم جلُّ اليهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم النبيُّ ﵇، فلم يخرج إنسانٌ منهم رأسَهُ حتى سَبَاهُم، فكُلِّم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يَثْرِبَ، يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالَوا نَتَّبِعْ محمدًا، فوالله إنكم لتعلمون أنَّه نبيٌّ وقد بَشَّرَنَا به وبأمره: ابنُ الهَيَّبان وأبو عمرو بن حوَّاس، وهما أعلم اليهود، جاءا من بيت المقدس يتوكفان قُدُومَهُ، وأَمَرَانَا باتِّباعه، وأَمَرَانَا أنْ نُقْرِئَه منهما السَّلامَ، ثم ماتا على دينهما ودَفنَّاهُمَا بحَرَّتِنَا، فأسكت القوم٤، فلم يتكلَّمْ منهم متكلِّمٌ. فأعاد هذا الكلامَ ونحوه وخوَّفهم بالحرب والسِّبَاء والجلاء.
فقال الزُّبَيْرُ بن بَاطَا: قد -والتوراةِ- قرأت صفته في كتاب التوراة
(١) في "ج": "سعد بن باطا". والصواب: سُعْدَى.
(٢) في "ب، ج": "في غيره ببنائه".
(٣) في "ب، ج": "فجلاهم".
(٤) في "غ": "اليوم".
التي أُنزلتْ على موسى، ليس في المثاني التي أَحْدَثْنَا.
فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتِّباعه؟ قال: أنت. قال: ولِمَ؟ فوالتوراة ما حُلْتُ بينَك وبينَه قط! قال الزبير: بل أنتَ صاحبُ عَهْدِنَا وعَقْدِنَا؛ فإنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْنَاهُ، وإن أَبَيْتَ أَبَيْنَا.
فأقبل عمرو بن سعد على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك إلى أنْ قال كعبٌ: ما عندي في ذلك إلا ما قلتُ، ما تطيبُ نفسي أنْ أصير تابعًا١.
وهذا المانع هو الذي مَنعَ فرعونَ من اتِّباع موسى، فإنه لما تبيَّن له الهدى عزم على اتِّباع موسى ﵇ فقال له وزيرُه هامان: بينا أنت إلهٌ تُعْبَد تصبح تَعْبُد ربًّا غيرك٢؟! قال: صدقتَ.
وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: حُدِّثْتُ عن صَفِيَّةَ بنت حُيَيّ أنها قالت: كنت أَحَبَّ ولد أبي إليه وإلى عَمِّي أبي ياسر، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غَدَوا عليه، ثم جاءا من العشي، (فسمعت عمي)٣ يقول لأبي أهو هو؟ قال: نعم والله، قال أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت٤.
فهذه الأُمّةُ الغضبيَّةُ معروفة بعداوة الأنبياء قديمًا.