هداية الحيارى

التي أُنزلتْ على موسى، ليس في المثاني التي أَحْدَثْنَا.

فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتِّباعه؟ قال: أنت. قال: ولِمَ؟ فوالتوراة ما حُلْتُ بينَك وبينَه قط! قال الزبير: بل أنتَ صاحبُ عَهْدِنَا وعَقْدِنَا؛ فإنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْنَاهُ، وإن أَبَيْتَ أَبَيْنَا.

فأقبل عمرو بن سعد على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك إلى أنْ قال كعبٌ: ما عندي في ذلك إلا ما قلتُ، ما تطيبُ نفسي أنْ أصير تابعًا١.

وهذا المانع هو الذي مَنعَ فرعونَ من اتِّباع موسى، فإنه لما تبيَّن له الهدى عزم على اتِّباع موسى ﵇ فقال له وزيرُه هامان: بينا أنت إلهٌ تُعْبَد تصبح تَعْبُد ربًّا غيرك٢؟! قال: صدقتَ.

وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: حُدِّثْتُ عن صَفِيَّةَ بنت حُيَيّ أنها قالت: كنت أَحَبَّ ولد أبي إليه وإلى عَمِّي أبي ياسر، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غَدَوا عليه، ثم جاءا من العشي، (فسمعت عمي)٣ يقول لأبي أهو هو؟ قال: نعم والله، قال أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت٤.

فهذه الأُمّةُ الغضبيَّةُ معروفة بعداوة الأنبياء قديمًا.

  1. (١) في "ج": "تبعًا" وانظر: "السيرة النبوية" لابن هشام: (٢/ ٥٤ - ٥٦)، "الطبقات الكبرى": (١/ ١٥٩)، "الدلائل" لأبي نعيم: (١/ ٧٩) وما بعدها.
  2. (٢) في "ج": "تعبد غيرك ربًّا".
  3. (٣) في "ج": "فسمعته".
  4. (٤) أخرجه ابن إسحاق في "السيرة": (١/ ٥١٨)، والبيهقي في "الدلائل": (٢/ ٥٣٣)، وأبو نعيم: (١/ ٧٧ - ٧٨). وانظر "البداية والنهاية": (٤/ ٥٢٤ - ٥٢٥).
47

وأسلافُهم وخيارهم قد أَخْبَرَنا الله -سبحانه- عن أذاهم لموسى، ونَهانَا عن التشبُّه بهم في ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ٦٩﴾ [الأحزاب: ٦٩].

وأما خَلَفُهم: فهم قَتَلَةُ الأنبياء؛ قتلوا زكريا وابنه يحيى وخَلْقًا كثيرًا من الأَنبياء، حتى قتلوا في يومِ سبعينَ نبيًّا وأقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئًا١.

واجتمعوا على قتل المسيح وصَلْبِه، فصانَهُ الله من ذلك وأكرمه أن يُهِيْنَه على أيديهم، وألقى شَبَهَهُ على غيره فقتلوه وصلبوه، ورَامُوا قَتْلَ خاتَمِ النبيِّيْن مرارًا عديدة والله يعصمه منهم.

ومَنْ هذا شأنهم لا يكبر عليهم اختيار الكفر على الإيمان لسبب من الأسباب التي ذَكَرْنَا بعضها، أو سببين أو أكثر.

وقد ذكرنا اتِّفاق أمة الضَّلال وعُبَّاد الصليب على مَسَبَّة ربِّ العالمين أقبح مَسَبَّة، على ما يُعْلَم بطلانه بصريح٢ العقل، فإنْ خَفِيَ عليهم أنَّ هذا مَسَبَّةٌ لله وأنَّ العقل يحكم ببطلانه وبفساده من أول وَهْلة: لم يكثر على تلك العقول السخيفة أنْ تَسُبَّ بشرًا أرْسَلَه الله، وتجحدَ٣ نبوَّتَه، وتُكَابِرَ ما دَلَّ عليه صريحُ العَقْلِ من صِدْقه وصحَّةِ رسالته. فلو قالوا فيه ما قالوا لم يَبْلُغْ بعضَ قولهم في ربِّ الأرض والسموات الذي صاروا به

  1. (١) انظر: "تفسير الطبري": (٦/ ٢٨٥)، "تفسير البغوي": (١/ ٣٣٥)، "الدر المنثور" للسيوطي: (٢/ ١٦٨).
  2. (٢) في "ج": "تصريح".
  3. (٣) في "ج": "يجحدوا" وفي "ب": "يجحد".
48

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي