وأسلافُهم وخيارهم قد أَخْبَرَنا الله -سبحانه- عن أذاهم لموسى، ونَهانَا عن التشبُّه بهم في ذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ٦٩﴾[الأحزاب: ٦٩].
وأما خَلَفُهم: فهم قَتَلَةُ الأنبياء؛ قتلوا زكريا وابنه يحيى وخَلْقًا كثيرًا من الأَنبياء، حتى قتلوا في يومِ سبعينَ نبيًّا وأقاموا السوق في آخر النهار كأنهم لم يصنعوا شيئًا١.
واجتمعوا على قتل المسيح وصَلْبِه، فصانَهُ الله من ذلك وأكرمه أن يُهِيْنَه على أيديهم، وألقى شَبَهَهُ على غيره فقتلوه وصلبوه، ورَامُوا قَتْلَ خاتَمِ النبيِّيْن مرارًا عديدة والله يعصمه منهم.
ومَنْ هذا شأنهم لا يكبر عليهم اختيار الكفر على الإيمان لسبب من الأسباب التي ذَكَرْنَا بعضها، أو سببين أو أكثر.
وقد ذكرنا اتِّفاق أمة الضَّلال وعُبَّاد الصليب على مَسَبَّة ربِّ العالمين أقبح مَسَبَّة، على ما يُعْلَم بطلانه بصريح٢ العقل، فإنْ خَفِيَ عليهم أنَّ هذا مَسَبَّةٌ لله وأنَّ العقل يحكم ببطلانه وبفساده من أول وَهْلة: لم يكثر على تلك العقول السخيفة أنْ تَسُبَّ بشرًا أرْسَلَه الله، وتجحدَ٣ نبوَّتَه، وتُكَابِرَ ما دَلَّ عليه صريحُ العَقْلِ من صِدْقه وصحَّةِ رسالته. فلو قالوا فيه ما قالوا لم يَبْلُغْ بعضَ قولهم في ربِّ الأرض والسموات الذي صاروا به
فأمَّةٌ أطبقت على أنَّ الإلَهَ الحقَّ -سبحانه عما يقولون- صُلِبَ وصُفِع وسمر ووضع الشَّوك على رأسه ودفن في التراب، ثم قام في اليوم الثالث وصعد وجلس١ على عرشه يُدَبِّر أمر السموات والأرض = لا يكثر عليها أن تُطْبِقَ على جحد نبوة مَنْ جاء بسَبِّها ولَعْنِها ومحاربتِها وإبداءِ معايبها، والنداءِ على كُفْرِهَا بالله ورسولَه، والشهادةِ على براءة المسيح منها ومعاداته لها، ثم قاتَلَها وأذلَّها، وأخْرَجَهَا من ديارها، وضرب عليها الجزْيَةَ، وأخبر أنَّها من أهل الجحيم خالدةً مخلَّدة، لا يغفر الله لها، وأنهَا شَرٌّ من الحمير؛ بل هي شَرُّ الدوابِّ عند الله.
وكيف ينكَرُ لأمةٍ أطْبَقَتْ على صَلْب معبودِها وإلهِهَا، ثم عَمَدَتْ إلى الصليب فعَبَدَتْهُ وعظَّمَتْه، وكان ينبغيَ لها أنْ تحرق٢ كلَّ صليبٍ تقدر على إحراقه، وأنْ تهينَهُ غايةَ الإهانةِ؛ إذْ صُلِب عليه إلهُهَا الذي يقولون تارةً: إنَّه الله، وتارةً يقولون: إنه ابنه، وتارةً يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، فجحدتْ حقَّ خالِقِهَا، وكَفَرَتْ به أعْظَمَ كُفْرٍ، وسبَّتْه أقْبَحَ مَسَبَّةٍ = أن تجحدَ حقَّ عبدِه ورسولهِ وتَكْفُرَ به.
وكيف يكثر على أمة قالتْ في ربّ الأرض والسموات: إنه ينزل من السماء ليكلِّم٣ الخلق بذاته، لئلا يكون لهم حُجَّةٌ عليه، فأراد أن يقطع حُجَّتَهم بتكليمه٤ لهم بذاته لترتفع المعاذير عمَّن ضيَّع عهده بعد ما